تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
بقلبه بالمبدء والمعاد والنبوّة والرّسالة وعمل بما جاء به النبىّ صلى الله عليه وآله وسلم مضافاً إلى علمه بذلك وإدراكه ايّاها عقلًا . فعلى النظرة القرآنيّة المتّقي هو الّذي رأى اللَّه بالبصيرة لا بالبصر ، فما يكون غيباً لعامّة النّاس يكون له شهوداً ويرى حقيقة الرّسالة والإمامة ، فما يكون مختفياً عن عامّة النّاس وهم بحاجةٍ إلى الاستدلال عليه يكون له ظاهراً ، واضحاً لا يحتاج إلى السّؤال والاستدلال ويرى القيامة وما فيها من القبر والبرزخ والحساب والكتاب والجنّة والنّار كعلمه بنفسه لا خفاء فيها ولااقلّ من رؤيتها كرؤيته الأمور المحسوسة وبعد ذلك يعمل الصّالحات كعبدٍ يرى نفسه بمحضرٍ من مولاه العليم بل نظير عمل الجائع والعطشان عند الأديم لرفع جوعه وعطشه ويجتنب عن المحرّمات كهذا العبد بل نظير فرار النّاس عن النار المشتعلة . فجملة القول ، انّ التّقوى في نظر القرآن هو الاعتقاد القلبي والعمل عليه وعلى مقتضاه الّذي لا ينفكّ عن الاعتقاد عادة ، فالاعتقاد والعمل فيه متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر . وتحصيل التّقوى يحتاج إلى رياضات دينيّة من التّوبة واليقظة والتّخلية والتّحلية والتّجلية ، وبهذا أشار تعالى بقوله : « ان تتّقوا اللَّه يجعل لكم فرقاناً » . « 1 » والفرقان هو التّجلية وتنوير القلب بنوره تعالى . كما انّه بحاجةٍ إلى الاهتمام بالواجبات كلّها والاجتناب عن المحرّمات كلّها والاهتمام بالمندوبات بالميسّر له والاجتناب عن المشتبهات بل المكروهات كذلك . فالتقوى لا يحصل بالتعلّم لانّه ليس بعلمىّ بل يحصل بالعمل لانّه وجدانىّ كشفىّ شهودىّ والوجدان لا يحصل الّا بالعمل . وفي آيات كثيرة دلالة واضحة على أنّ الغاية المتوخّاة عن التشريع بل
هامش
( 1 ) - / الأنفال / 29