وكذلك لمّا كانت المعاصي بحسب عادة المذنب مختلفة حتّى صار بعضها سجيّةً له كالكذب أو الغيبة فلا حياء له بالنسبة إليه ، أمّا غيره من الذنوب فله حياءٌ منه كالسّرقة والقتل ، فيمكن للمذنب التائب التّبعيض في التّوبة ايضاً بتلك الجهة .
ولكن طوبى لمن يرى انّ كلّ ذنب ولو كان صغيراً ، فهو مخالفة للَّهتعالى وبارتكابه يبطل رسم العبوديّة فبمجرّد اغترافه يتوب ويجدّد الإيمان ، فحينئذٍ لا معنى لهذا التائب أن تبعّض في الندم على الذنب والتّوبة منه ولا معنى لان يتوب من معصية دون معصية .
ه : انّ السيّد الأستاذ في الميزان كرّر إفادة لطيفة رحمانيّة استفادها من الذكر الحكيم وهي انّ توبة العبد محفوفة بتوبة الرّبّ مقدّماً عليها ومؤخّراً منها ، وبعبارة أوضح انّ توبة العبد دائماً محفوفة بتوبتين من اللَّه الرّحيم الغفور لانّ اللَّه تعالى اوّلًا يرجع إلى عبده المذنب وينبّهه وينقلبه فيوفّقه لان يتوب إليه ويندم على ما فعل وثانياً يقبل توبة العبد المذنب ورجوعه إلى اللَّه تعالى .
ففي كلّ رجوع من العبد رجوعان من اللَّه تعالى وهذا معنى قوله قدّس اللَّه سرّه : لكلّ توبة من العبد توبتان من الرّبّ ، وإلى هذه اللّطيفة أشار القرآن الكريم بقوله تعالى : « ثمّ تاب عليهم ليتوبوا انّ اللَّه هو التّواب الرّحيم » . « 1 »
فترى انّ هذه الآية الشريفة كيف حفّفت توبة العبد - ليتوبوا - بالتّوبتين من اللَّه تعالى - « ثمّ تاب عليهم . . . . انّ اللَّه هو التوّاب الرّحيم » .
ونظيرها في القرآن كثير ، كقوله تعالى : « فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه انّه هو التّوّاب الرّحيم » . « 2 »
و : انّ التّوبة فضله تعالى على العبد وقبول التّوبة فضل آخر منه عليه ولكن الفضل كلّ الفضل ما حكم اللَّه سبحانه وتعالى به من ترتّب الخيرات كلّها دنيويّةً وأخروية عليها .
هامش
( 1 ) - / التّوبة / 118
( 2 ) - / البقرة / 37