تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
إلّا انّ الدّواعى لها مختلفة ، فقد يتوب خوفاً من ناره وقد يتوب طمعاً في جنّته ولكن قد يتوب لانّ عبوديّة التائب وربوبيّة المعاد إليه يقتضى ذلك ، وقد يتوب خوفاً من البلايا وقد يتوب طمعاً في النّعم الدّنيويّة وقد يتوب للَّه‌تعالى فقط من غير داع من الدّواعى وقد يتوب للَّه‌و يندم لكونه عبداً فرّاراً ، فذلك هي التّوبة حقّها ولكن قد يتوب والدّاعى هو الاستحياء منه أو شكر نعمه أو حبّه له فذلك هو التّوبة على نحو الدّاعى على الدّاعى . وقد مرّ في باب الاخلاص ما ينفع في المقام ، فراجع . والحاصل ، انّ التوبة حكمها حكم العبادات أي لابدّ من أن يؤتى بها للَّه‌تعالى فقط من غير أن يشوبها شيء من الغايات والدّواعى ولكن لا يضرّ بها الغايات والدّواعى المحرّكة إليها من الغايات والدّواعى دنيويّة كانت كالخوف من العذاب الدّنيويّة وكالطّمع في النّيل إلى النّعم الدّنيويّة ، أو أخرويّة كالخوف من نار جهنّم أو الطّمع في الجنّة . فالأحسن ان يتوب التائب لا لتلك الدّواعى بل يتوب استحياءً منه تعالى أو حبّاً له أو نحو ذلك . والأحسن من الكلّ أن يتوب إليه لأنّه تعالى أهلٌ لذلك ولا يكون له نظر إلى غير هذا المقام الأسنى ، وان يتوب إلى اللَّه لاقتضاء العبوديّة والرّبوبيّة ذلك . وهذا هو الطريق الوحيد للوصول إلى جنابه تعالى في طرفة عينٍ المعبّر عنه بمقام اللقاء الّذي لا يخطر مغزاه ببال أحدٍ سوى من أدركه ونال لذّته . د : انّ التّبعّض في التّوبة جائز وما اشتهر بين المتكلّمين من عدم جوازه لا وجه له لانّه لمّا كانت الدّواعى مختلفة فيمكن للعاصي ان يدعوه داعٍ إلى التوبة عن معصية دون معصية أخرى . وكذلك لمّا كانت المعاصي من حيث الكبر والصّغر مختلفة وكذلك من حيث المتعلّق ، فيجوز للعاصي ان يتوب بحسب ادراكه من بعض دون بعض .
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 101 | الشيخ حسين المظاهري