وينبغي أن تكون هذه الحكاية اسوةً لنا حتّى نخطّى كلّ خطوةٍ من خطواتنا بالدّهاء غير عمياء وغير متّبعى سبيل الغىّ .
ومن سنن القرآن درج بعض الكلام في بعضٍ واتباع بعضه لبعضٍ ، وعلى هذه السنّة قال : قيل ادخل الجنّة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفرلى ربّى وجعلني من المكرمين . « 1 » فهو وان قتل بيد القوم إلّاانّه بعد القتل ودخول الجنّة أراد أن يريه اللَّهُ قومَه ليهدوا به ، وهو لميكتف بان يعفو ويصفح عنهم ، بعد أراد استهدائهم ولو كانوا قاتليه .
ومن تلك الدروس العليا حكاية مؤمن آل فرعون التّى بيّنها اللَّه في آيات ونظراً إلى ما لها من الأهميّة البالغة ، قد سُمّى هذه السورة بسورة المؤمن .
قال تعالى : « وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربّه انّى أخاف ان يبدّل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد . . . . وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه أتقتلون رجلًا ان يقول ربّى اللَّه وقد جائكم بالبينّات من ربّكم وان يك كاذباً فعليه كذبه وان يك صادقاً يصبكم بعض الّذي يعدكم . . . . قال فرعون ما أريكم إلّاما أرى . . . وقال الاذي من يا قوم انّى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود . . . وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّى أبلغ الأسباب أسباب السّموات فاطّلع إلى اله موسى وانّى لاظنّه كاذباً . . . وقال الّذي آمن يا قوم اتّبعون اهدكم سبيل الرّشاد يا قوم انّما هذه الحياة الدّنيا متاع . . . فستذكرون ما أقول لكم وافوّض امرى إلى اللَّه انّ اللَّه بصير بالعباد فوقاه اللَّه سيّئات ما مكروا » « 2 »
فترى انّ هذا المؤمن بفطنته وكياسته وتبليغه خفية وعلانيّة ، تقيّة وجهاراً أنجى موسى عليه السلام من القتل وغلب على فرعون وما أراد من قتل موسى عليه السلام ، حيث الطف في القول اوّلًا ثم استبدّ فيه لينصرفه عن قتله ، فاجبره على صرف الخاطر ممّا أراد ، من غير أن
هامش
( 1 ) - يس / 26 - 27
( 2 ) - المؤمن 26 إلى 45