فالتأمُّل في هذه الآيات المباركات يدلّنا على كياسة تلك النساء المؤمنات ، حيث حفظن موسى عليه السلام وهو طفلٌ صغير لا يدافع عن نفسه ، عن القتل حتّى رضى فرعون وآله أن يربّوه كأنّه من أولادهم .
قال اللَّه تعالى : « فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً » « 1 »
فهنّ بفطانتهنّ بلغن مرتبةً كمرتبة الأنبياء حتّى اطلق اللَّه على عملهنّ لفظة الوحي ولا يخفى مراتبه .
قال تعالى : « وأوحينا إلى امّ موسى ان ارضعيه » « 2 »
ومن تلك الحكايات حكاية حبيب النّجار الاذي شتهر في الرّوايات بمؤمن آل يس وصاحب يس قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : الصّدّيقون ثلاثة : حبيب النّجار مؤمن آل يس الّذي قال يا قوم اتّبعوا المرسلين ، وحزقيل مؤمن آل فرعون الّذي قال : أتقتلون رجلا يقول ربّى اللَّه ، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم . « 3 » قال تعالى : « واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جائها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث . . . . وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتّبعوا المرسلين انّى امنت بربّكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفرلى ربّى وجعلني من المكرمين » « 4 »
يظهر من الآيات انّ الثّالث من الرّسل الّذي عزّز الاثنين لم يقم بارشاد الناس إلّا بدهاءٍ بالغ ، حتّى آمن جمٌّ غفيرٌ من الناس به ، فوقع بينهم الخلاف والتشاجر حتّى أوجب له تلخيص الرسولين من السجن ، فهو وان قُتل بيد أشرار أمّته ، ولكنّه استطاع ان يرسخ الايمان في قلوب جمعٍ منهم ، وما كان ذلك إلّابكياسته ودهاءه .
هامش
( 1 ) - القصص / 8
( 2 ) - القصص / 7
( 3 ) - بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 296 ، باب 57 ، ح 6 .
( 4 ) - يس / 13 إلى 27