تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
قال تعالى : « انّ المتّقين في جنّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر » « 1 » ولا تنحصر الآية الشّريفة في الآخرة وما يتعلّق بها لان الإنسان له أن يصل في هذه الدنيا الدنيّة إلى ما لا تعلم نفس قال تعالى : « تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون » « 2 » فهم في هذه الدّنيا عنداللَّه فما ظنّك بهم وهم في الآخرة ؟ ! . ولا يمكن ان يصل الإنسان في العقبى إلى ربّه حتّى يصل إليه في الدّنيا لانّ الدّنيا مزرعة الآخرة فمن كان زرعه من نبات الجنّة ففي الآخرة يحصدها ومن كان زرعه اللّقأ فيصل إليه ومن كان زرعه النّار فيوردها . فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول : انّ من أراد اكتساب الفطنة والكياسة فعليه أن يفكّر أوّلًا فيما يغويه أو له أن يغويه من أمر الدنيا وما إليه ثم عليه أن يجتهد في تجربة الأمور خيرها وشرّها ، نعم لا مناص للانسان من الوقوع في الزلل ، ولكن له أن لا يقع فيه ثانياً وثالثاً . قال أمير المؤمنين عليه السلام : المؤمن لا يلسع من جحر مرّتين « 3 » . فبالمراقبتين العلميّة والعمليّة يحصل له الكياسة كما أنّه لا طريق إلى تحصيل العلم إلّا بهاتين المراقبتين بل الذّاتى من كلّ فضيلة يحتاج إلى اكتسابى منها ولولا الاكتسابى منها لزال الذّاتى وتلف كما انّ الاكتسابى منها يحتاج إلى اجتناء ثمارها وهو اشرابها بماء الفطنة أوّلًا ثمّ ترقّب الأمور ثانياً ثمّ الأخذ بالصحيح منها والاجتناب عن المشتبه والردىء منها ثالثاً ، حتّى يحصل له ملكة الفراسة شيئاً فشيئاً ، وله الحمد .
هامش
( 1 ) - القمر / 54 - 55 ( 2 ) - السّجدة / 16 - 17 ( 3 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 241 ، كتاب الايمان والكفر ، ح 38