حتّى أنّه عليه السلام لمّا بات ليلته الآخيرة في بيت بنته ، فرأى المائدة مزيّنةً بالخبز واللّبن والملح تعجّب وقال لها : هل رأيت في اديمى غير ادامٍ واحدٍ قطّ ؟ ! ولمّا أرادت ان تأخذ منه الملح امرها بأخذ اللّبن .
وما أحسن في هذا الباب ما كتبه إلى عثمان ابن حنيف وهو عامله على البصرة :
الا وانّ امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه ، الا وانّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن اعينونى بورع واجتهاد وعفّة وسداد ، فو اللَّه ما كنزت من دنياكم تبراً ولاادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالى ثوبي طمراً . . . . ولو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات ان يغلبني هواي ويقودني جشعى إلى تخيّر الأطعمة - ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشّبع - . . . أأقنع من نفسي بان يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش . . . . « 1 » ومن جملة آثار هذه الفضيلة تواضع المتحلّى بها عند النّاس سيّما عند الفقير والوضيع ، فيجعل نفسه مثله غير مترفّع عليه .
امّا سمعتَ انّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا رأى كبر رجلٍ متموّلٍ على فقير أعمى ، غضب حتّى ظهرت آثار الغضب على وجهه فنزلت الآيات الأولى من سورة عبس :
« عبس وتولّى * ان جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزّكّى * أو يذّكّر فتنفعه الذّكرى » « 2 »
اما سمعت انّ أمير المؤمنين عليه السلام أعان الضّعفاء والفقراء حتّى حمل الحطب لهم على ظهره ؟ ! .
ومن جملة آثار هذه الفضيلة انّ الزاهد في الرّئاسة لايبيع أخراه أو عرضه طلباً
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، كتاب 45
( 2 ) - عبس / 1 - 4