تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
قال سبحانه وتعالى : « تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتّقين » « 1 » والمفهوم من هذه الكريمة توقّف حسن العاقبة على هذه الفضيلة الخُلقية ، كما يُفهم منها أنّ الفساد في الأرض والابتعاد عن الجنّة لاينشأ إلّاعمّا يضادّها وهو حبّ الرئاسة والمكانة في الدنيا . ومن آثار هذه الفضيلة انّ صاحبها كسائر النّاس مسكناً وملبساً ومأكلًا ومشرباً بل أدون منهم بمراتب . الا ترى انّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يضع لبنة على لبنة وكان حجراته من ليف النّخل والحصير ، وكان له ملبسٌ رخيصٌ بحيث إذا اشترى له قميص بأربعة دراهم لم‌يقبله معلّلا بانّه غالى الّثمن ، فأقال البيع واشترى قميصاً بدرهمين وانفق الدّرهمين الآخرين ، ولم‌يأكل ولم‌يشرب إلّابقدر الحاجة من أرخص ارزاق الناس كالّتمر والشعير . الا ترى انّ جهاز بنته الزّهراء عليها السلام كان سبع عشرة قطعة غالبها من الطّين ، فبكى وقال : اللّهمّ باركها ، وترى انّ مهرها كان خمسأة دراهم . الا ترى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر أصحابه بالجلوس في مجلسه على هيئة الدائرة ، حذراً من الترأّس في المجلس بحيث لم يكن للوارد عليه فيه أنّ يعرفه أو يميّزه عن أصحابه ، فهو أقوى من الكلّ فضيلة وأضعف من الكلّ مؤنة . الاتسمع انّ عليّاً عليه السلام لم يلبث بعد مبايعة الناس له بالخلافة أن رجع إلى حفر البئر وغرس النّخل إعانة للفقراء . ثمّ لم يدنّسه الدنيا والحكم عليها حتّى أنّ بعض حواريّه وهو الضمرة بكى وقال : رأيت افطاره من الخبز الشّعير اليابس والملح .
هامش
( 1 ) - القصص / 83