تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
والثاني : غفلتهم عن كون الرئاسة طريقاً وحيداً لنشر الحق واحياءه وازهاق الباطل وابطاله ، ولا ريب انّ الناس لم يخضعوا قبال الشريعة إلّابعد أنّ سلّط اللَّه رسوله عليهم . فعلى قلب السالك أن لا يشتغل بغير اللَّه ، لا بحبّ المكانة ولا بالخمول عنها ، وهذا هو القلب الّذي ينورّه اللَّه سبحانه وتعالى بنوره ، وما أحسن من قال :
غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود * ز هر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است
فبما قلنا ظهر أنّه يمكن أنّ يكون للخامل عن الرئاسّة خاتمٌ رخيصٌ بخسٌ ولكن لقلبه تعلّقٌ به كتعلّق العابد الوله بصنمه ، كما يمكن أنّ لا يكون لقلب الحاكم على المجتمع غير الخامل عن الحكم تعلقاً به ، كما قد عاينّا كثيراً منهم وسمعنا بكثيرٍ منهم أيضاً . وقد حكينا لك آنفاً حكاية المحقّق النراقي العارج إلى معراج السعادة مع الرجل الصوفي المعدم ، وفيها خير شاهدٍ على ما نحن بصدده الآن ، فراجعها . نعم انّ مثل أمير المؤمنين عليه السلام مع كونه ذاالرئاستين الدينيّة الالهيّة والدنيويّة كان يقول : واللَّه لهى - أي : النّعل - احبّ الىّ من أمرتكم هذه ، هذا من ناحيةٍ ومن ناحيةٍ أخرى انّ المولهين بالدنيا كطلحة وزبير ومعاوية وعمرو بن العاص بدّلوا الدّين بالدّنيا ، والشّرافة بالرّياسة ، فخسروا خسراناً مبيناً . فتلخّص انّ حبّ الخمول لايضادّ حبّ الجاه والمكانة ، بل انّهما مخالفان ولهما ضدّ واحدٌ ألّا وهو الزّهد في الرّئاسة ، فما اشتهر بين علماء علم الأخلاق من جعله ضدّ حبّ الجاه ليس بسديد . إذا تقرر هذا فنقول : فضيلة الزهد في الرئاسة فضيلة هامة ولولا فضل اللّه ورحمته لم يصل إليها احدٌ وهي تختصّ بالأنبياء والأولياء ومن يحذو حذوهم ممّن سبقت لهم الحسنى . هذا كلّه بالنسبة إلى عظم خطرها ، ولكن مع ذلك كلّه رغّب اللَّه عباده إليها حيث جعل الجنّة ثمن هذه الفضيلة مختصّةً بمن حازها ،