ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك . « 1 » والمرتبة العليا من الاستغناء ، هي الاستغناء عن ذوى الانساب والأحساب وعن الاشراف ، أو فقل عن ذوى النعم ، وبهذه المرتبة أشار أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة .
قال عليه السلام : ان استطعت ان لا يكون بينك وبين اللَّه ذو نعمة فافعل . « 2 » حُكى انه سئل الحاتم الطائي ، هل رايت احداً أسخى منك ؟ قال : نعم ، رايت في البر من احتطب فقلت له لِمَ لم تذهب إلى الحاتم حتّى يستغنيك عن الاحتطاب ؟ قال : تحمّل الأذى من الاحتطاب خير من ذلك . وللَّه درّ من أنشد بالفارسية
هر كه نان از عمل خويش خورد * منت حاتم طائى نبرد
روى أن جبرئيل لمّا رأى إبراهيم عليه السلام في النار قال له : يا إبراهيم هل لك الىّ من حاجة ؟
فقال : اما إليك فلا ، واما إلى ربّ العالمين ، فنعم . « 3 » والتجربة فضلًا عن الروايات والسير ، دلّت على أن من استغنى عن الناس فهو حاكم على قلوبهم حتّى قلوب الامراء والشرفاء والعلماء وانه وجيه ذومكانة عندهم ، فمن أراد عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطنة ووجاهة بلا علم وشوكة بلا مال وقدرة بلا عدّة فليخرج من ذلّ الطمع إلى الاستغناء عن الناس ، فمن أعطاه اللَّه هذه الفضيلة فقد أعطاه خيراً جسيما فعليه الشكر كثيراً .
وهذه الفضيلة تلازم فضائل كثيرة ، ويترتب عليها حسنات وافرة ، كسائر الفضائل . ولكن ينبغي ان نذكر ، ان التوكل ، وهو الافتقار إلى اللَّه تعالى والرجاء منه دون الخلق ، والثّقة بالنفس وهو الاستقلال وعدم التدلي إلى الغير يُعدّان من اللوازم القريبة غير المنفكّة عن هذه الفضيلة ، فمن استغنى عن الناس افتقر إلى اللَّه واعتمد في أموره على نفسه وهما
هامش
( 1 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 149 ، باب الاستغناء عن الناس ، ح 7 .
( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 228 ، باب 8 ، ح 2 .
( 3 ) - البرهان ، ج 4 ، ص 62 ، ح 10