وهذا الاشكال يرد في القوى الرادعة كلّها من العقل والوجدان والعلم والقانون والتربية والاشراف والايمان ، لأن هذه القوى كلها رادعة في الجملة عند كون الإنسان في الحالة الطبيعية ، واما عند ثوران الغرائز لا تكون رادعة ، ولو اجتمع بعضها لبعض ظهيرا ، والإنسان بحاجة ماسّة إلى رادعٍ يردعه في حالاته كلّها عمّا لا يليق به .
نعم ان كان الايمان قلبيّا - راسخاً فيه بالغاً مرتبة الوجدان فهو ردمٌ وثيقٌ لا يُغلَب بحالٍ من الحالات .
قال الصادق عليه السلام : « المؤمن كالجبل الراسخ لاتحرّكه العواصف » .
ولهذا الايمان مراتب شدة وضعفا ، فاوّل مراتبه هو اعتقاد القلب ، المسمّى ب « علم اليقين » ثمّ مرتبة متوسطة وهي رؤية القلب ، المسمّاة ب « عين اليقين » ثمّ مرتبة شديدة وهي وجدان القلب ، المسمّاة ب « حق اليقين » وهو الشهود .
وهذه الاصطلاحات كلها مأخوذةٌ من القرآن
وظاهرٌ ان هذا الايمان رادع للانسان وحتّى عند ثوران الغرائز ، والقرآن يشهد بذلك حتّى لمن حصلت له المرتبة الأولى فقط .
قال اللَّه تعالى : « الهيكم التّكاثر * حتّى زرتم المقابر * كلّا سوف تعلمون * ثمّ كلّا سوف تعلمون * كلّا لو تعلمون علم اليقين » « 1 »
والقرآن جعل من حصلت له المرتبتان العُليا مباركاً .
قال اللَّه تعالى : « فلمّا جائها نودي ان بورك من في النّار ومن حولها وسبحان اللَّه ربّ العالمين » « 2 »
ولكن بعد اللّتيا والّتى ، لا بد ان نتذكر هنا كلاماً اخر ، وهو ما انزل القرآن والكتب السماوية كلها وارسل الرسل كلّهم له ، وهذه المقدّمة المفصلة مُهّدت له ، وهو انه لو حصل
هامش
( 1 ) - الثكاثر / 5 - 1
( 2 ) - الّنمل / 8