وقال أمير المؤمنين عليه السلام : الحدّة ضرب من الجنون لأنّ صاحبها يندم فإن لم يندم فجنونه مستحكم . « 1 » وحينما يغلب على الإنسان تترتب عليه المفاسد حتّى الكفر والعصيان وشتم اللَّه وأوليائه الكرام تعالوا عن ذلك علواً كبيراً .
فالايمان القلبي رادع ومانع عن ذلك الطغيان وتلك المفاسد
واما لو قدر على قمع تلك الرذيلة وتحلّى بالحلم فليس في النّفس رذيلة حتّى تترتب عليها المفاسد ، بل الحلم فضيلة يُقدِر الحليم على أن يعمل ما يعجز عنه الآخرون وطوبى له وحسن مآب .
فاذاً لا نزاع في النّفس حتّى تحتاج إلى رادع ومانع
فقس عليها كلّ الرذائل والفضائل .
والأحسن والأوضح لاثبات المدّعى من بين تلك الفضائل هو القناعة ، فلذا جعلنا هذه المقالة باحثةً عنها وان كانت المقالة عامّة عائدة إلى الرذائل والفضائل كلّها .
وذلك لان القناعة كما فسرناها في صدر البحث هي ملكة يُقتدَرُ بها على تنحية المشتهيات من غير افراط ولا تفريط ، فمن اكتسب هذه الملكة وهذّب نفسه عن الافراط أعنى الحرص والتفريط أعنى الخمود ، فنفسه طائرةٌ من ضيق ظلمات الحرص والخمود وما يترتب عليهما من المفاسد العظيمة - نظيرمامرّ في بحث الشره وحبّ الدّنيا وما سيأتي انشاءاللَّه في بحث الحرص والطمع - إلى نور سعة القناعة وما يترتّب عليها من المصالح العظيمة الّتي مضى ذكر بعضها .
حُكى ان إبراهيم الأدهم كان سلطاناً فبينما كان في قصره ، رأى أن رجلًا معدماً استترب عند نهر على حدته فاكل خبزاً وشرب كفّة ماءٍ ووضع أحذئته تحت رأسه فنام
هامش
( 1 ) - تصنيف غرر الحكم ، ص 301 ، ح 6861