قال عليه السلام في كلام آخر : « وان دنيا كم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة » « 1 » وقال عليه السلام أيضاً : « واللَّه لدنيا كم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم » . « 2 » واما الإنسان الّذي علّق قلبه على هذه الدنيا ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام فيه : من كانت همّته ما يدخل بطنه كانت قيمته ما يخرج منه . « 3 » فكلام الأمير أمير الكلام وكلام يعسوب الدين يعسوب الكلام فيه فصل الخطاب ولبّ اللباب .
تتمة :
قد ظهر ممّا أسلفنا في مبحث الزهد ومبحثنا هذا ، أن لا حكم يجرى على الدنيا بمعناه العام بحيث يقتضى ذاته ، فليس الدنيا وماله كالنساء والبنين والأموال بحسنةٍ محبوبة ، ولا بقبيحةٍ مذمومةٍ بل كونه محبوباً أو مبغوضاً ليس إلّاباعتبار متعلّقه لا باعتبار ذاته فهو حسنٌ إذا كان من فضل اللَّه ، ومصروفاً فيما أراد اللَّه ، ولم يسدّ القلب عن التعلّق باللَّه ، وهو قبيحٌ سىّءً إذا اصطيد من غير اللَّه ، ويُنفق في غير مراد اللَّه ، وكان ردماً عن تعلّق القلب باللَّه تعالى .
فبهذا يجمع بين الآيات والروايات الدّالة على مدحه والمشيرة إلى ذمّه ، وكذلك يجمع بين كلمات أهل القلوب وكلمات علماء علم الاخلاق .
توضيح ذلك ان اللَّه تعالى مدح في جملةٍ من آي الذكر الحكيم الدنيا بمعناه العام ، ثمّ حذّر الناس في جملةٍ أخرى منها عنه مشيراً إلى قبحه ، وليس هذا إلّالأنّ حفظ نظام الحياة واستمرار بقاء النوع على الأرض مع كونه مطلوباً له تعالى لا يتيسّر إلّاباستجلاب قلوب الناس إلى الدنيا وسعيهم فيها وتشجيعهم إليها ، هذا من ناحيةٍ ومن ناحيةٍ أخرى فانّ
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة خطبة 224
( 2 ) - نهج البلاغة ، كلمات القصار
( 3 ) - غرر الحكم ، طبع مؤسسة الأعلمي ، ج 2 ، ص 217 ، ح 1176