لان الدنيا بمعناه العام لا تكون حسنة ولا سيّئة ، بل انها ليس إلّاكالقلم للكاتب العالم ، فالعالم الوفيّ بمبانى الانسانيّة العليا ومبادئها به يكتب ما يثمر الخيرات ، كما أنّ الجاهل الغبي غير الملتزم بها به يكتب ما يثمر السيئات .
نعم الدنيا تغرّ وتضرّ وتلهى وتشغل الا للاوحدى من الناس وهو الزاهد الّذي أفاضه اللَّه تحرير النّفس بعد مجاهدات مشروعةٍ طويلة ، وبعد أن فاز بالتحلية بعد التخلية ، أعنى بعد أن أخرج حب الدنيا الدنيّة عن قلبه وغرس شجرة الزهد فيه فحصّل ثمراتها .
وقد كرر ذلك في القرآن مرّات عديدة ولعلّها تزيد على عشرين مورداً .
قال تعالى : « يا ايّها النّاس انّ وعد اللَّه حقّ فلا تغرّنكم الحياة الدّنيا ولايغرّنكم باللَّه الغرور » « 1 »
وفرار أهل القلوب عنها كما يفرّ الغنم عن الذئب ، ليس الا لهذا التهديد والتحذير .
ولقد صنّفنا في سالف الزمان كتاباً سمّيناه التوازن بين الدنيا والآخرة ، وجمعنا فيه الآيات والروايات الواردة في ذمّ الدنيا ومدحها وجمعنا بين تلك الآيات والروايات المنافر بعضها لبعضٍ بحسب الظاهر وألّفنا بينهما ، وكان وجه الجمع انّ الدنيا حسنة لمن يشرى بها الآخرة وسيئة لمن يشرى بها غضب الرحمن .
ولكن ان قلنا إن هذا الكتاب المشار إليه وأمثاله ، قد جمع في كلمةٍ من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة لم نسلك سبيل الاغراق ، فنحن نختم هذا الفصل المخصّص بهذه الفضيلة بفضيلة ذكر هذا الكلام .
قال عبداللَّه بن عباس دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذى قار وهو يخصف نعله فقال لي ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت لا قيمة لها فقال عليه السلام : واللَّه لهى احبّ الىّ من أمرتكم إلّاان أقيم حقاً أو ادفع باطلًا . « 2 »
هامش
( 1 ) - فاطر / 5
( 2 ) - نهج البلاغة خطبة 33