مراتبه العليا ، ما أصاب الحقّ ، لان الكراهة نفسها أيضاً اشتغال بالدنيا ، والزاهد هو الّذي لا يشغله شيء عن اللَّه حتّى الكراهة من الدنيا ، نعم انه يكره الجيفة من الدنيا الّتي هي الحرام منها ويفرّ عنه ، كما يفرّ من الجيفة ولعلّ قوله عليه السلام : « الدنيا جيفة وطالبها كلاب » ، « 1 » يكون بهذا المعنى ، وإلّافمن يطلب حلال الدنيا لكفاية عيشه ومعاشه ، فليس غير زاهدٍ ، بل هو كالمجاهد في سبيل اللَّه :
عن النّبى صلى الله عليه وآله وسلم : « الشاخص في طلب الرزق الحلال كالمجاهد في سبيل اللَّه » . « 2 » فليس طلب الحلال بمذمومٍ ، بل التعلّق بالدنيا وما فيها حلالها وحرامها بمقدار الضرورة أو الكفاية أو الزائد عليهما هو الحجاب ، وهو المذموم ويكون ضد الزهد ، فرب متموّل وقائد قوم يكون زاهداً كما أن رب فقير وخاملٍ يكون ملتهياً بالدنيا ، ورب زاهد كاره للدنيا أيضاً يكون مشغولًا ببغضه للدنيا وكراهته منها .
وللَّه دَرّ الغزإلى في هذا المقام ، حيث قال : ان الكاره للدنيا مشغول بالدنيا ، كما أن الراغب فيها مشغول بها ، والشغل بما سوى اللَّه حجاب عن اللَّه تعالى ، ولا حجاب بينك وبين اللَّه الا شغلك بغيره وأنت لا تزال مشغولًا بنفسك وشهواتها ، فلا تزال محجوباً عنه حتّى ان شغلك ببغض نفسك وشهواتها ، شغل عن اللَّه ، كحبك نفسك وشهواتها من غير فرق ، لان الشغل ، شغل ، ومثاله مثال الرقيب في المجلس ، فان التفت العاشق بالرقيب منصرفاً عن المعشوق فهو شرك ، وان التفت ببغض الرقيب وانصرف عن المعشوق بذلك البغض فهو أيضاً شرك في العشق ، الا ان هذا أخف من ذلك .
انتهى بتقريرٍ منا . « 3 » فالكلام جيّد وان نهج غير سبيل الحق وغلط في معنى الزهد فجعل هذا المعنى الّذي
هامش
( 1 ) - بحارالانوار ، ج 84 ، ص 289 ، باب 12 ، ذيل ح 83
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 17 ، ح 78
( 3 ) - احياء علوم الدين .