أشرنا إليها خارجاً عن الزهد ، وفسّره بالكاره للدنيا ثمّ أطال الكلام في ذمّ الزهد ومدح مقام الأبرار بهذا المثال وقال إن الزهد حسنة ولكنه سيئة للمقربين ، وتمثّل بذلك المثال ، مع أن المثال للزاهدين والمقرّبين الذين لا يشغلهم الآخرة عن اللَّه فضلًا عن الدنيا ، فمن هذه الجهة ، الزهد درجة رفيعة ، وحسنة كريمة ، ولكنه مع تلك الرتبة والرفعة سيئة للمقربين ، ولكن قدمّر ان الزهد بهذا المعنى خارج عن علم الاخلاق ، بل عن المستفاد عن الروايات بل هو معنى ذوقي عرفانى يتذوّقه أهل القلوب وهو من درجات المحبّة وسيأتي البحث عنها انشاءاللَّه .
والحاصل ان الزهد هو التحرّى عن جميع التعلقات الدنيوية وهو درجة وفضيلة مدحه اللَّه تعالى في القرآن بما يفوق المدح :
قال تعالى : « في بيوت اذن اللَّه ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والاصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه » . « 1 »
وذكر التجارة والبيع من باب المثال ، والمعنى انهم لا يلهيهم شى من الدنيا بمعناه العام ، عن ذكر اللَّه تعالى ، فلذلك أعرض عن ذكر البيع والتجارة في آيةٍ أخرى وعوّض عنها بالمال والأولاد :
قال تعالى : « لا تلهكم أموالكم ولااولادكم عن ذكر اللَّه » . « 2 »
وبدل كلّ ذلك جاء في سوره التكاثر بالتكاثر :
قال تعالى : « الهيكم التّكاثر حتّى زرتم المقابر » . « 3 »
خلاصة هذا المقال ، ان الزهد هو التحرير والطلاقة عن التعلقات وليس هو الفرار عن الدنيا ، بمعناه العام ، فمن يقدر على التحظّظ من الدنيا لنفسه أو لغيره ولاتشغله عن الآخرة وعن ذكر اللَّه تعالى ، فيجوز له أن يستفيد منه ، بل واجب لبعض الناس على شريطة ما ذكرنا ،
هامش
( 1 ) - النور / 37 - 36
( 2 ) - المنافقون / 9
( 3 ) - التكاثر / 2 - 1