ويشهد لصحّة هذا الوجه ما مرّ آنفاً في الرواية الأولى من قوله : « فلمّا حلّ عليه المال لميكن عنده ما يعطيه » ؛ فانّه صريحٌ في كون الرجل مضطرّاً إلى هذا العمل ، لفقره وقلّة ما في يده بحيث لميكن قادراً على أداء دينه ؛
واللائح ممّا في الرواية الثانية من قوله : « ويؤخّر عنه المال إلى وقتٍ » أيضاً كون المورد من موارد الضرورة ، وهذا ظاهرٌ .
فتحصّل ممّا قلنا انّ الأخذ بالحيل فراراً عن الأحكام قبيحٌ ، وغير جائزٍ في الشريعة المطهّرة . نعم ! عند الضرورة لاقبح في المسير إليها .
ولكن باب الضرورة بابٌ واسعٌ وهو حاكمٌ على جميع الأحكام . فلا يمكن القول بجواز الأخذ بالحيل في غيره إذا كان المكلّف في سعةٍ غير مضطرٍّ إليها . والحمد للّه ربّ العالمين .
الثاني : التورية
التورية هي الثانية من موارد توهّم جواز التوسّل إلى الحيل الشرعيّة . فعلينا أن نعطف عنان الكلام نحوها لنرى ما هو حكمها في الشريعة المقدّسة .
فنقول : لاخلاف في قبح الكذب وحرمته ، بل هو من الكبائر نظراً إلى قوله - تعالى - :
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ » « 1 » ؛
حيث يُحمل « قَولَ الزُّورِ » في بعض الوجوه على الكذب « 2 » .
ثمّ لاخلاف في جواز الكذب عند الضرورة ، وذلك أيضاً نظراً إلى إباحة المحضورات
هامش
( 1 ) . كريمة 30 الحجّ .
( 2 ) . راجع : « تفسير غريب القرآن » - للطريحيّ رحمه الله - ص 245 ، « التيان » ج 7 ص 308 ، « مجمع البيان » ج 7 ص 148 ، « فقه القرآن » - للراونديّ رحمه الله - ج 1 ص 293 ؛ وانظر أيضاً : « فتح الباري » ج 4 ص 100 ، « تحفة الأحوذي » ج 3 ص 321 .