الأمر الثاني :
لزوم اللغو في الجعل والتشريع ، إذ لاخلاف في حرمة الربا ، وقد شدّد اللّه عليه في - قوله سبحانه - :
« فَإِنْ لَمْتَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » « 1 » .
هذا من ناحيةٍ ، ومن ناحية أخرى لا معنى للافتاء بجواز الربا متمسّكاً بالحيل إلّاكون هذا الجعل وتشديد الشارع عليه لغواً ؛ وهذا قبيحٌ من العقلاء ، فضلًا عن الحكيم على الاطلاق ؛ فلا يمكن الذهاب إلى عدم حرمة هذا التمسّك ونسبة تجويزه إلى الشارع .
الأمر الثالث :
نقض غرض الشارع ، إذ الأحكام عندنا تابعةٌ للمصالح والمفاسد الواقعيّة ، وحرمة الربا تابعةٌ لمفسدةٍ واقعيّةٍ ، وإليه يشير قوله - تعالى - :
« يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ » « 2 » .
فالقول بالجواز يساوي القول بالذهاب إلى المفاسد الّتي حرّم اللّه الربا منعاً منها وفراراً عنها . وهذا أيضاً قبيحٌ غاية القبح .
فبما قلنا ظهر انّه لا يجوز الأخذ بالقسم الثاني من روايات الباب نظراً إلى استلزامه القبح الأكيد . ولكن كثرتها وبلوغ عددها حدّ الاستفاضة يمنعنا عن طردها وضربها على الجدار ، ولاسيّما مع امكان حملها على صورة الضرورة . ومن المقرّر بين الفقهاء إباحة المحضورات بالضرورات ؛ فلا يجوز التوسّل إلى الحيل في باب الربا - كغيره من الأبواب - إلّا إذا أدّت الضرورة إليه . فإذا بلغت الحاجة قدر الضرورة لاقبح فيه ، لأنّ الضرورة إذاً تصير حاكمةً على حكم العقل بقبحه ، كحكم العقل بعدم قبح شرب الخمر لمن كان مشرفاً على الموت ، فيبيح له شربه وإن لميجز له في غيره من الأحيان .
فحمل ثاني القسمين على مورد الضرورة هو الوجه في الجمع بين القسمين من روايات الباب .
هامش
( 1 ) . كريمة 279 البقرة .
( 2 ) . كريمة 276 البقرة .