نعم ! لو لميكن الخلاف مستنداً إلى اختلافهما في المباني - بل كان مستنداً إلى ما يرجع إلى الحسّ - فله أن لا يعمل بما حكم به القاضي والحاكم ؛ كحكم الحاكم بالخروج عن شهر اللّه والدخول في شوّال مستنداً فيه إلى شهادة عدلين لمتثبت عدالتهما عند فقيهٍ آخر - بل ثبت عنده عدم اتّصافهما بالعدالة - ؛ فلهذا الفقيه أن لا يعمل بما حكم به الحاكم . أمّا تنصيصه بعدم الخروج عن شهر الصيام بحيث يؤدّي إلى وهن الحاكم فممّا لا يجوز عليه ؛ وقد نصّ عليه الأصحاب في كتاب القضاء « 1 » .
ولما ذهب إليه الفقهاء طيلة القرون من ثبوت الإجزاء في بابي الإجتهاد والتقليد أيضاً إشارةٌ إلى منعهم عن نقض الفقيه ما حكم وأفتى به غيره ولو كان مخالفاً لما أدّى إليه رأيه ونظره .
قالوا : يصحّ الاقتداء بإمامٍ يكتفي بتسبيحةٍ واحدةٍ ويجزيها في الصلاة لمن يقلّد من مستنبطٍ لا يجزي إلّاتسبيحاتٍ ثلاث ، وليس له أن يُنكر صلاة الإمام مستنداً إلى ما أفتى به مرجِعه ؛ وهذا معنى الاجزاء في التقليد . فلو كان كذلك فمن البيّن عدم جواز نقضه ما حكم به القاضي والحاكم مقلِّداً كان أو مقلَّداً .
نعم ! لا منع من تعدّد الآراء فيما لا يرجع إلى الدولة ، فاختلاف آراء الفقهاء في أبواب العبادات والمعاملات وغيرهما ممّا لامساس له بالدولة وضرورة توحّدها لايُعدّ قبيحاً ، بل لاخلاف في حسنه - لأنّه يؤدّي إلى ارتقاء الفقه وازدهاره خطوةً فخطوةً - .
فظهر ممّا قلنا في الإجابة عن هذا السؤال أمورٌ :
الأوّل :
وجوب طاعة المقلَّدين ومقلِّديهم عن الحاكم فيما يرتبط بأمور الحكم ؛
هامش
( 1 ) . فانظر على سبيل المثال : « المبسوط » ج 8 ص 302 ، « قواعدالأحكام » ج 2 ص 433 ، « تحريرالأحكام » ج 2 ص 219 ، « إيضاحالفوائد » ج 4 ص 319 ، « القضاء في الفقه الإسلاميّ » - للسيّد العلّامة الحجّة السيّد كاظم الحائريّ - صص 200 ، 800 .