مسألة الحكم والحكومة كما له أحكامٌ في العبادات والمعاملات ؟ أم هو ساكتٌ عن مسألة الحكم لا كلام له فيها ؟ .
ولا ريب في أنّ المسلمين - بما لهم من الطبع المدنيّ كغيرهم من الناس - بحاجةٍ إلى العيش في المجتمع ، ومجتمعهم مجتمعٌ إسلاميٌّ يحكم عليه الإسلام بما له من الأحكام ، ولا ريب في ثبوت الأحكام الفرديّة في الإسلام ؛ فهل له الأحكام الجماعيّة أيضاً ؟ .
وقد كفانا مؤونة الجواب عنه ما مضى في هذه الرسالة من الآيات والروايات الكثيرة الدالّة على ثبوت الحكم للأنبياء والأئمّة والمستخلفين منهم عليهم السلام .
فالصحيح من صورة القياس هو :
الصغرى : لا ريب في لزوم الحكم والحكومة في المجتمع الإسلاميّ حذراً عن وقوع الهرج والاضطراب في حياة الناس الجمعيّة ؛
والكبرى : وكلّ من يقتدر على تدبير الملك وسياسته على ما تقتضيه الشريعة وتعيّنها وترسمها فله أن يترأّس على المجتمع ؛
والنتيجة : إنّ الولاية ثابتةٌ بحكم العقل لكلّ من هو قادرٌ للقيام بها ، وليس هو إلّاالفقيه العادل المدبّر الّذي يستطيع أن يحمل أعباء الحكم والسلطة .
النظر الثّاني :
إنّ كبرى القضية القائلة ب : « أنّ كلّ من يقدر على تدبير الملك وسياسته فله أن يترأّس على المجتمع » ممّا لا يقبله العقل ، إذ لا ريب في أنّ منصب الولاية والحكم من أرفع المناصب وأعلاها ، بل لا أرفع منه في المناصب الإجتماعيّة ؛ فيحكم العقل بأنّ من يلي هذا المسند يجب أن يتّصف بكثيرٍ من الأوصاف والشرائط ليتمكّن من تدبير أمر الناس على ما يليق بهم . والمتيقّن من هذه الشرائط - الّذي لايتردّد العقل في وجوب اتّصاف الوالي به - هو الخبرويّة والعدالة والكفاية لسياسة الأمور ، بينما انّ الشرطين الأوّلين قد خُبِتَ ذكرُهما في كبرى القضيّة ؛ فهي إذاً ناقصةٌ .