من استقامة الفطرة أو كثر خطأه أو نسيانه أو غفلته لا اعتماد على قوله ولا على خبره ، إذ لا يحكم العقل باجراء تلك الأصول في أقواله وأخباره ؛ فلايصدّقهما .
وكذلك في بابي القضاء والافتاء ، فإنّ الإجماع الّذي ادّعاه صاحبالجواهر رحمه الله في باب القضاء يجري في باب الافتاء أيضاً . فلو كان أحدٌ خبيراً بمباني الفقه وأصوله وما يتعلّق به من العلوم - كالرجال والدراية والحديث - ولكن قلّ ضبطه وكثر نسيانه وسهوه ، لا يمكن أن يُعدّ مفتياً وإن كان فقيهاً . إذ مضى في باب الإجتهاد والتقليد انّ حجّيّة فتوى المفتي من باب سيرة العقلاء حيث تحكم سيرتهم بوجوب الرجوع في كلّ مسألةٍ إلى المخصّص في ذلك الفنّ .
وفي أحكام الشريعة أيضاً تحكم بوجوب الرجوع إلى الفقيه المفتي ، كما تحكم نفس السيرة بأنّ الكثير الخطأ القليل الضبط لايعدّ من المخصّصين ، بل كثرة خطائه تمنع من الاعتماد على قوله ورأيه .
وكذلك فيما نحن فيه ، فلاقضاء لمن كملت فيه شرائط القضاء علماً وعملًا من غير اتّصافه بقلّة الخطأ والسهو والنسيان وكثرة الضبط وأمثالها . ولاافتاء لمن حاز جميع الشرائط من غير اتّصافه بهما أيضاً .
ومن خصائص الشيعة وأسرارها القول بوجوب العصمة في من له الخلافة الإلهيّة العظمى . ومن مراتب العصمة عدم الخطأ والنسيان ومايشبههما ، فمن استخلف منه عليه السلام يجب أن يتّصف بصفاته على ما تقتضيه القدرة البشريّة ويطيقه الإنسان .
ومن هذا الباب استقامة السليقة ، فمن كثر خلافه مع القوم في فتاويهم ففي صحّة اجتهاده - بل في نفس اجتهاده - نظرٌ نشأ من أنّ استقامة الفطرة قد عُدّت من شرائط الاجتهاد . فهذا ابنجنيدٍ رحمه الله وقد كان من أكابر قدماء الإماميّة ، ولكن خالفهم في كثيرٍ من
فقه الولاية والحكومة الإسلامية — صفحة 307
مساهمون: الشيخ حسين المظاهري
ص٣٠٧