ومن هذا القسم الجنون بالنسبة إلى بعض الأعمال وسلامة العقل بالنسبة إلى بعضها الآخر ، كشيخٍ فاضلٍ كان يعيش في قم المقدّسة مستحضراً لما ألقاه عليه أستاذه المحقّق الحائريّ رحمه الله ، بل كان عيبة علم الأستاذ ولكن كان مجنوناً تاركاً للصلاة ولما تحكم عليه الحياة الإجتماعيّة ! ؛ وكنّا نسأل عنه عن بعض آراء الشيخ الحائريّ وكان يجيبنا عنه بما يوافي المقصود ، ثمّ كنّا نذكّره الصلاة ووجوبها فكان يقول : أُخذ ما وُهب وسقط ما وجب ! ! . وقد مات وكانت موته نتيجةً لحالته هذه - نسأل اللّه سبحانه وتعالى حسن العاقبة - .
الثّاني :
العقل الّذي يقابل الجهل والجهالة . والمراد من الجهل هيهنا الغطاء الّذي يستر العقل فيعمل الإنسان ما لا يطابق عقله ولا يوافقه ، ثمّ بعد أن رفع هذا الغطاء يعلم أنّ ما فعله ما كان إلّاجهلًا وجهالةً ؛ وفي كثيرٍ من الأحيان يندم عليه ؛ قال - سبحانه وتعالى - :
« إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ » « 1 » .
كمن يرتكب ما لا يليق به لثوران الشهوة ثمّ بعد أن خمدت شهوته يندم على ما فعله فيتوب منه ؛ وكان هذا نتيجة ستر الشهوة عقله . فمن أقسام العقل ما يقابل الجهل . والجهالة الواردة في الآية الشريفة هي بهذا المعنى .
الثّالث :
العقل الّذي يقابل السفاهة ، ومن لميصاحب هذا العقل يُقال له : السفيه - أي :
من لميبلغ رشده فلايعرف ما فيه خيره ممّا هو شرٌّ له - . وله أحكامٌ خاصّةٌ به كوجوب هجره وعدم جواز تصرّفه في أمواله ؛ قال - سبحانه وتعالى - :
« فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » « 2 » .
فالسفيه من لميبلغ رشده ، فلاولاية له على أمواله حتّى يبلغه .
الرّابع :
العقل الّذي يقابل عدم البصيرة ، فالمصاحب لهذا العقل يقال له البصير ؛ ويقابله
هامش
( 1 ) . كريمة 17 النساء .
( 2 ) . كريمة 6 النساء .