أوّلًا : الاستدلال بالعقلعلى لزوم الأفقهيّة في الوليّ
قالوا : إنّ الرجوع إلى الأعلم أمرٌ يسجلّه العقل وتشهد له سيرة العقلاء ، إذ الناس في جميع ما لهم من الأمور - ولاسيّما في مهامّها - يرجعون إلى الأعلم ؛ ولايُقاس منصبٌ بمنصب الولاية ، فتشترط فيه الأعلميّة .
والجواب :
إنّ هذا القول قولٌ صحيحٌ لاغبار عليه صغرويّاً ، إذ الرجوع إلى الأعلم ولاسيّما في مهامّ الأمور ممّا لاشكّ فيه ولا شبهة تعتريه . ولكنّ الكلام كلّه في أنّ الأعلميّة في كلّ أمرٍ بحسب ذلك الأمر ، فالأعلميّة في الطبيب ترجع إلى حذاقته في فنّه ؛ والأعمليّة في المرجِع ترجع إلى إحاطته بمباني الفقه وآراء الأعلام في كلّ مسألةٍ ثمّ ملكة استنباط الحكم والاستدلال لمايختلج بباله ؛ وكذلك الأعلميّة في الوليّ ترجع إلى ما هو معدودٌ من وظائفه وجُعل على عاتقه . فالخبرويّة في السياسة الدوليّة وما للمجتمع من الأمور اليوميّة والشؤون الخارجيّة هي ملاك الأعلميّة في الوليّ ، لا كثرة الإحاطة بآراء الأعاظم ومبانيهم في فروع الفقه وأدلّتها ، إذ هي من شأن الفقيه المرجِع ، لا الفقيه الوليّ .
فلا خلاف بيننا وبينهم في اشتراط الأعلميّة ، ولكنّهم اشترطوا فيه الأعلميّة في الفقه ونحن اشترطنا فيه الأعلميّة فيما يرجع إلى الدولة والولاية ؛ والأمر في اختيار الشرطين إلى القارئ الكريم .