النكتة الثّانية :
استشكل بعضهم في دلالة الحديث على ثبوت الولاية للفقيه بأنّ قوله عليه السلام : « فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً » أي : قد جعلته عليكم قاضياً ، فمراد الإمام من « حاكماً » أي : قاضياً . وللقاضي الولاية في القضاء ، لا الولاية في رئاسة المجتمع ، فلاتدلّ على ثبوتها له .
وقد أجاب الشيخ الأعظم رحمه الله عن هذا الإشكال بما ملخّصه : لا داعي لصرف ظهور اللفظة عن معناه الوضعيّ إلى معنى آخر ، بل لاجواز لهذا الصرف ، فإنّه عليه السلام لو أراد أن يتلفّظ بلفظة القاضي لكان يتلفّظ به ، وما كان شيءٌ رادعاً عنه . فاتيانه عليه السلام بهذه الكلمة يدلّ على أنّها حجّةٌ في معناها الوضعيّ الأصليّ . والظاهر منها الولاية في الحكم لا في القضاء فقط « 1 » .
ولنا عن هذا الإشكال جوابٌ آخر ، والظاهر انّها أدقّ ممّا مضت الإشارة إليه من قول الشيخ الأعظم رحمه الله ؛ وهو : إنّ السائل سأل عن الرجوع إلى الحاكم والقاضي - أي : الرجوع إلى القوّة المجريّة والقوّة القضائيّة - ، فلو كان المراد من « حاكماً » : قاضياً ليصير الجواب أخصّ من السؤال حيث لميشر الإمام في جوابه حينئذٍ إلى ما يرجع إلى القوّة المجريّة ، فيكون جوابه ناقصاً لميف بمراد السائل . وهذا قبيحٌ عن المعصوم ، بل سيرتهم عليهم السلام تشهد بأنّ أجوبتهم عن المسائل أجوبةٌ شاملة الأطراف جامعةٌ لجميع ما للسؤال فيه مدخلٌ . فالصحيح حمل الحاكم على ما هو الظاهر منه لئلّا يكون الجواب منافياً لشأن الإمام في الإجابة عمّا سُئل منه .
الرواية الرّابعة
وهي مشهورة أبيخديجة . ونصّها :
هامش
( 1 ) . فانّه رحمه الله بعد أن ذكر المقبولة قال : « ثمّ انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة نفوذ حكم الفقيه في جميع خصوصيّات الأحكام الشرعيّة . . . لأنّ المتبادر عرفاً من لفظ الحاكم هو المتسّلط على الإطلاق . . . ويؤيّده العدول عن لفظ الحاكم إلى الحكم . . . » ؛ راجع : « كتاب القضاء والشهادات » - له - ص 48 .