وقوله - تعالى - : « أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَ مَّنْ لَايَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى » يُستنبط منه انّ « الشركاء » المذكور في صدر الكريمة لا ينحصر في الأوثان ، لأنّ الوثن ليس من شأنه أن يُهدى . فالمراد منه : كلّ من التجأت إليه الناس في أمر دينهم أو دنياهم من غير أن يكون صالحاً لارشادهم إلى ما هو الخير لهم من أمرهما .
ثمّ إنّ تقدّم الهادي على المهديّ ممّا لا مجال للنقاش فيه ، بل العقل يحكم به من غير أن يحتاج فيه إلى تأمّلٍ أو تنقيبٍ ؛ وهذا نظير قوله - سبحانه وتعالى - : « هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ » « 1 » ؟ ؛ وقوله - تعالى - : « هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ » « 2 » ؟ ، حيث يُجاب بتقدّم العالم والبصير على الجاهل والأعمى .
وكذلك فيما نحن فيه ، فانّ تقدّم الهادي على غيره بمكانٍ من الوضوح عند العقول .
فتلخّص ممّا قلنا انّ الآية دلّت على وجوب متابعة الناس عمّن يدبّر أمرهم ؛
ثمّ دلّت على قبح المتابعة عمّن ليس له شأن هداية الناس إلى ما هو الخير لهم ؛
والنتيجة الحاصلة عن المقدّمتين وجوب المتابعة عمّن له شأن الهداية فيما يرتبط بنشأة الناس الدنياويّة وحياتهم الأخرويّة ؛ وليس هو إلّاالفقيه البالغ مرتبتي الفقه والكفاية لتدبير أمر المجتمع لئلّا يحكم العقل بقبح التبعيّة عنه ؛ وهذا واضحٌ .
الآية السادسة
قوله - تعالى - :
« يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
هامش
( 1 ) . كريمة 9 الزمر .
( 2 ) . كريمة 50 الأنعام ، 16 الرعد .