من جهة العلم بثبوته ، فاذن الاخذ بالمقدار المتيقن من كل من الدليلين بعد سقوط اطلاقيهما بالمعارضة ليس بملاك الجمع التبرعي العقلي بل بملاك العلم الوجداني بثبوت المتيقن من كل منهما وسقوط اطلاقيهما .
واما إذا لم يكن لشئ منهما قدر متيقن ، فعندئذٍ وان كنا نعلم بثبوت مدلول كل منهما في الجملة وبنحو القضية المهملة الا ان هذا العلم الاجمالي لا يكون منجزاً لعدم التمكن من الاحتياط ، كما إذا كان التعارض بينهما بالوجوب والحرمة ، مثلا أحد الدليلين يدل على وجوب اكرام الشعراء المسيحيين والدليل الاخر يدل على حرمة اكرامهم ، والمفروض ان كلا الدليلين قطعي السند والجهة فمن اجل ذلك نقطع بوجوب اكرامهم في الجملة وبنحو القضية المهملة وبحرمة اكرامهم كذلك ، فاذن كل فرد من افرادهم مشكوك الوجوب والحرمة فلا يمكن الاحتياط لدوران الامر بين المحذورين فيكون المكلف مخيراً بين الفعل والترك اي بين الاكرام وترك الاكرام طبعاً لاشرعاً ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، الظاهر أن هذا الفرض مجرد افتراض لا واقع موضوعي له .
واما إذا كان لاحد الدليلين المتعارضين قدر متيقن دون الاخر ، فلابد من تقييد اطلاق الاخر به باعتبار انا نعلم بثبوته وجدانا ولا نعلم بثبوت اطلاق الاخر كذلك ، فإذا ورد في دليل أكرم النحويين مثلا وورد في دليل اخر لا تكرم النحويين ، وفرضنا ان كلا الدليلين قطعي سنداً وجهة ، ففي مثل ذلك نعلم بثبوت مدلول كل منهما في الجملة ، وحينئذٍ فإذا افترضنا ان في الدليل الأول قدراً متيقناً دون الثاني ، فلابد حينئذٍ من تقييد اطلاق الدليل الثاني بالقدر المتيقن في الدليل الأول وبذلك تنقلب النسبة بين الدليلين من التباين إلى عموم وخصوص مطلق على القول بانقلاب النسبة ، فان الدليل الثاني بعد التقييد بالقدر المتيقن أصبح
المباحث الأصولية — صفحة 239
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٣٩