ولكن هذا مجرد إفتراض لا واقع موضوعي له بل هو غير معقول ، بداهة انه لا يعقل ان يكون للفظ واحد مدلولان مستقلان ويدل على كل واحد منهما بنحو الاستقلال .
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي ان الدليل الصالح لتقديمه على الدليل المعارض انما هو فيما إذا كان مدلوله متعينا للقرينة كالانصية والأظهرية والمخصصية وهكذا في حدود وظواهر الالفاظ العرفية المتميزة والمختلفة ، واما الانصية من باب القدر المتيقن الخارجي بدون أن تكون مدلولًا للفظ فلا قيمة لها ولا تصلح أن تكون قرينة على التصرف في الدليل الآخر ، وكذلك إذا كان مدلوله مجملا مردداً بين ما يصلح للقرينة وما لا يصلح كذلك ، فإنه لا يصلح ان يكون قرينة على التصرف في الاخر هذا .
واما مثال ما نحن فيه هو ما إذا جاء في دليل صلّ ركعتين في المكان الفلاني وجاء في دليل آخر لا تصليهما فيه ، ففي مثل ذلك يكون الدليل الأول ظاهراً في الوجوب وناصاً في الإباحة والدليل الثاني ظاهراً في الحرمة وناصاً في مطلق المرجوحية ، فمقتضى القاعدة حمل الظاهر على النص بان يجعل نص كل منهما قرينة على التصرف في ظاهر الاخر ونتيجة ذلك هي حمل الدليل الأول على الإباحة والدليل الثاني على المرجوحية وبذلك ترتفع المعارضة بينهما .
والجواب أولًا ، ان الأظهرية والانصية انما تكون قرينة إذا كانت مدلولة للدليل اللفظي عرفاً ، لوضوح ان تقديم أحد الدليلين على الدليل الآخر بملاك الجمع الدلالي العرفي انما هو فيما إذا كان مدلوله العرفي متعيناً للقرينية بالنصية أو الأظهرية أو الأخصية أو القيدية أو غير ذلك وما نحن فيه ليس كذلك ، فان استفادة الإباحة من الدليل الأول والمرجوحية من الدليل الثاني ليست بدلالة نصية عرفية حتى تصلح هذه الدلالة في كل منهما للقرينية على التصرف في
المباحث الأصولية — صفحة 130
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٣٠