الظن الأول يدل بالمطابقة على بقاء حياة زيد وبالالتزام على انبات لحيته ، والظن الثاني يدل بالمطابقة على عدم انبات لحيته وبالالتزام على عدم بقائه حيا ، ومن هذا القبيل استصحاب عدم وجود الحاجب في أعضاء الوضوء أو الغسل ، فإنه يفيد الظن بعدم وجوده فيها بالمطابقة وبوصول الماء إلى البشرة بالالتزام ، واستصحاب عدم وصول الماء إلى البشرة يفيد الظن بعدم وصوله إليها بالمطابقة وبوجود الحاجب فيها بالالتزام ، فاذن تقع المعارضة بين المدلول المطابقي لكل منهما والمدلول الالتزامي للآخر فلاحكومة في البين ، لان أحد الأصلين في المقام ليس في ناحية السبب والآخر في المسبب حتى يكون المقام داخلا في كبرى الأصل السببي والمسببي وحكومة الأول على الثاني ، وذلك لأن عدم التعارض بين الأصل في السبب والأصل في المسبب وحكومة الأول على الثاني انما هو بنكتة ان المسبب من آثار السبب شرعا دون العكس ، ولهذا يكون الأصل في السبب يثبت المسبب بالالتزام باعتبار انه اثر شرعي له ، وأما الأصل في المسبب فهو لا يثبت السبب كذلك ، أو فقل ان المسبب بما انه اثر شرعي للسبب فيترتب عليه نفيا واثباتاً ، وأما السبب فبما انه ليس اثراً شرعيا للمسبب فلايترتب عليه كذلك ولهذا لامعارضة بينهما ، والأصل في السبب مقدم على الأصل في المسبب إما بالحكومة أو بالجمع الدلالي العرفي ، وهذه النكتة غير متوفرة في باب الأمارات منها الظن ، فإذا فرضنا ان الأمارة قامت على بقاء حياة زيد كما إذا اخبر ثقة انه حيّ ، فإنها تدل بالمطابقة على حياته وبالالتزام على انبات لحيته ، ثم إذا فرضنا ان الثقة اخبر عن عدم انبات لحيته ، فإنه يدل على عدم انباتها بالمطابقة على عدم بقائه حياً بالالتزام .
والخلاصة ، ان احدى الأمارتين إذا قامت على وجود السبب والأخرى قامت على عدم وجود المسبب ، فتقع المعارضة بين المدلول
المباحث الأصولية — صفحة 44
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٤