واما جريان الاستصحاب في الأمور التدريجية بكافة اشكالها ، فإنما هو بلحاظ انها بمقتضى الارتكاز العرفي والعقلائي تشكل هيئة اتصالية موحدة كاليوم أو الأسبوع أو الشهر أو نصف الشهر أو السنة وهكذا على تفصيل تقدم ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، ان ما نحن فيه ليس كالمثال الذي ذكره قدس سره ، لان الحرمة المعلقة على الغليان ليست كالأمور التدريجية ، لأنها من الأمور القارة وباقية ببقاء موضوعها ، ضرورة ان الأمور التدريجية التي هي متقومة بذاتها وذاتياتها بالتدرج والتصرم في الوجود من مرحلة إلى مرحلة أخرى والأحكام الشرعية ليست كذلك ، لأنها أمور اعتبارية لا واقع موضوعي لها الا في عالم الاعتبار والذهن ، واما في المقام فقد جعل الشارع الحرمة للعصير العنبي مشروطة بالغليان ومعلقة عليه ، وعلى هذا فبطبيعة الحال تكون حليته مغياة بالغليان ، على أساس ان ما علق عليه أحد الضدين فهو غاية للضد الآخر ، وعلى هذا فإذا صار العنب زبيبا ، فبطبيعة الحال يشك في أن حرمته المعلقة على الغليان هل هي باقية لحالة زبيبيته أو لا ، وحينئذٍ فكما انه لا مانع من استصحاب بقاء حرمته المعلقة لها ، فكذلك لا مانع من استصحاب بقاء حليته المغياة ولا تنافي بين هذين الاستصحابين ، بل الاستصحاب الثاني لا يجري لأنه لغو ولااثر له ، إذ يكفي استصحاب بقاء الحرمة المعلقة على الغليان للعصير العنبي ، فإنه إذا غلى صارت حرمته فعلية ومنجزة وترتفع حليته المغياة بتحقق غايتها ، ولهذا فلا اثر لاستصحاب بقاء الحلية المغياة له .
فالنتيجة ، ان استصحاب بقاء الحلية المغياة بالغليان الثابتة في حال العنبية إلى حالة الزبيبية لا يجري لعدم ترتب الأثر عليه ، لأنها ترتفع بغليان الزبيب فلايصلح ان يعارض استصحاب بقاء الحرمة المعلقة بعد الغليان ، واما حلية الزبيب الثابتة له في حالة زبيببيته شرعا ، حلية أخرى مرددة بين
المباحث الأصولية — صفحة 335
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٣٣٥