نعم ، مشتقات مادة اليقين والبصيرة والسلامة ونحوها تتعدى بالباء لا بكلمة ( من ) ، مثل قولنا : أيقن به استيقن به متيقن به ابصر به استبصر به مستبصر به اسلم به استسلم به ، وهكذا .
ولكن لبعض المحققين قدس سره « 1 » في المقام كلاما ، وهو ان الظاهر من مثل هذا التركيب في لغة العرب ، كقولك : « على سلامة من دينه » وقولك : « على بينة من ربه » وقولك : « انا على بصيرة من أمري » وهكذا ، رجوع الجار والمجرور إلى الظرف المقدر ، وهو الفعل العام كالكون لا إلى المجرور .
وقد أفاد في وجه ذلك ، ان مثل هذا التركيب ، وهو على يقين من وضوئه وعلى بصيرة من امره ونحو ذلك صحيح ، مع أن المجرور وهو كلمة اليقين أو البصيرة أو السلامة ونحوها مما لا يصح في لغة العرب تعديه بمن ، فلا يقال : انا أتيقن من وضوئي ، وانا بصير من أمري ونحوهما ، وانما يقال انا أتيقن بوضوئي ، وانا بصير بامري وهكذا .
هذا مضافا إلى أن المجرور في بعض هذه الأمثلة لا يمكن جعله متعلقا للجار والمجرور من حيث المعنى ، ولو فرض استعمال كلمة من مكان الباء ، مثلا الجار والمجرور في قولك على سلامة من ديني ، لا يمكن من حيث المعنى ان يتعلق بالسلامة ، هذا .
وللمناقشة فيه مجال ، إذ لا شبهة في صحة الأمثلة المذكورة لدى العرف والعقلاء بدون فرض استعمال كلمة ( من ) مكان الباء ، لما تقدم من الاختلاف بين مادة اليقين ومشتقاتها ، ومادة السلامة ومشتقاتها ومادة البصيرة ومشتقاتها ، وهكذا .
فان التعدي مادتها في الاستعمالات المتعارفة انما هو بكلمة ( من ) لا
هامش
( 1 ) . بحوث في علم الأصول ج 6 ص 30 .