رغم وجود المسافة المحددة بينهما ، فلا يجوز احداثها الا في مسافة لا تكون مضرة بالأولى ، كما أنه لو علم بان القناة الثانية لا تكون مضرة بالأولى ولا تنقّص ماؤها وان كانت دون تلك المسافة فلا مانع من احداثها ، فاذن جواز حفر القناة الثانية وعدم جوازه يدوران مدار الضرر بقناة الاخر وجودا وعدما لا مدار التحديد المذكور ، فإنه مبني على الغالب ، إذ لا يمكن ان يجعل لذلك ضابطا كليا ، فلو احدث المالك قناة في ملكه ، في أقل من المسافة بينها وبين قناة الاخر ولم يكن مضرا بها ، فلا مانع منه ولا يحتاج إلى اذن صاحب القناة الأولى ، ولا فرق في ذلك بين احداثها في ملكه أو في ارض الموات ، فان المناط انما هو بالضرر وعدم الضرر وكذلك الحال في الأنهار التي يجرى الماء فيها ، فيجوز احداث نهر قرب نهر اخر شريطة ان لا يكون فيه ضرر على نهر اخر ، والا فلا يجوز وللمالك ان يمنعه عن ذلك بينما ليس له المنع إذا لم يكن ضررا عليه .
فالنتيجة ، ان المستفاد من النصوص المذكورة ان الحكم بالجواز في المسألة وعدم الجواز فيها يدور مدار الضرر وجودا وعدما لا مدار البعد المذكور وعدمه ، لما تقدم من أن التحديد به مبني على الغالب لا انه تحديد واقعي ، والضرر مانع عن التصرف مع وجود المقتضي له وهو علاقة المالك بالمال وهي تقتضي جواز تصرفه فيه ، واما سيرة العقلاء وان جرت على سلطنة المالك على ماله الا انها ليست دليلا عليها ، بل هي متفرعة على ثبوتها في المرتبة السابقة ، وقد تكون السيرة جارية على سلطنة الصبي على ماله مع أن الشارع لا يرى ثبوت هذه السلطنة له هذا .
المباحث الأصولية — صفحة 456
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٥٦