الملازمة بين حكم العقل بحسن شي وقبح آخر وحكم الشارع بوجوب الأول
وحرمة الثاني ، ومن الواضح ان حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة من حيثية كونه مرسلًا من قبل الله تعالى لتبليغ الأحكام الشرعية الواصلة إليه ، سواءً أكان موافقا لحكم العقلاء بالحسن أو القبح أو لا ، وان أريد بها ان الشارع من حيثية كونه مرسلًا من قبل الله عز وجل ومبلغا يتبع العقلاء في الجعل ، فإذا جعل العقلاء الحسن لشي والقبح لآخر ، جعل الشارع الوجوب للأول والحرمةللثاني .
فيرد عليه انه خلاف الضرورة ، لان النبي الأكرم ( ص ) من حيث كونه مرسلًا من قبل الله تعالى ، فلامحالة يكون تابعاً لما يصل اليه من قبله تعالى بالوحي ، سواءً كان موافقا لحكم العقلاء في الواقع أم لا ، ضرورة انه ( ص ) يتبع الوحي ولا ينطق الا به بنص قوله تعالى :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
. « 1 » ومن هنا لا يمكن القول بالملازمة حينئذ ، بداهة ان الوحي من الله تعالى تابع للمصالح والمفاسد الواقعيتين ، والمفروض انه لا طريق للعقلاء إلى تلك المصالح والمفاسد نوعاً .
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي ان دعوى الملازمة بين حكم العقل العملي وبين حكم الشرع ، لاترجع إلى معنى محصل ، لان الأحكام الشرعية تابعة للملاكات الواقعيّة ، ومن الطبيعي ان الشارع غير ملزم بجعل ما يماثل جعل العقلاء ولا مبرر لذلك ، ومن هنا يمتاز العقل العملي عن العقل النظري ، فان الملازمة بين العقل النظري وحكم الشارع وان كانت ثابتة كبروية كما تقدّم ،
و
هامش
( 1 ) . سورة النجم : آية 3 .