الواقع ويدركهما العقل كادراكه سائر الأشياء ، فما هو الفرق حينئذ بين العقل النظري والعقل العملي ، فإذا كان الحسن والقبح أمرين واقعيين يدركهما العقل فهو عقل نظري لاعملي ، لان العقل النظري هو ما يدرك الأشياء التي لها واقع موضوعي ، اما في عالم الخارج أو في لوح الواقع الذي هو أعم من لوح الوجود كادراكه استحالة الدور أو التسلسل ، أو ان الشئ الفلاني علة أو معلول ، أو الملازمة بين شيئين وهكذا ، بينما العقل العملي لا يدرك إلا الامر العملي الذي لاواقع موضوعي له كادراكه الوجوب أو الحرمة ، فإنه ادراك لأمر يتطلب بنفسه العمل المعين على طبقه بدون ان يكون له واقع موضوعي ، وعلى هذا فإن كان الحسن والقبح حكمين عقلائيين مجعولين من قبل العقلاء تبعاً للمصالح والمفاسد ، كان ادراكهما من العقل العملي ، واما إذا كانا صفتين واقعيتين يدركهما العقل كسائر الصفات الواقعية ، فلا يكون ادراكهما من العقل العملي بل هو من العقلالنظري .
والجواب : ان الحسن والقبح وان كانا صفتين واقعيتين يدركهما العقل كادراكه سائر الصفات الواقعيّة ، إلّا انه مع ذلك يكون ادراكهما من العقل العملي لاالنظري ، بنكتة انهما يمتازان عن سائر الأمور الواقعيّة في نقطة وتتفقان معها في نقطة أخرى ، اما نقطة الامتياز فلانهما رغم كونهما من الصفات الواقعيّة يتطلبان بنفسهما جرياً عملياً معيّناً في الخارج ، بينما سائر الأمور الواقعيّة لاتتطلب الجري العملي كذلك بنفسها ، وعلى هذا فكلّ شي يتطلب بنفسه وذاته الجري العملي المعيّن على طبقه في الخارج ، فادراكه من العقل العملي سواءً أكان له واقع كالحسن والقبح أم لاكالوجوب والحرمة ونحوهما ، فكما انهما يتطلبان بأنفسهما
المباحث الأصولية — صفحة 316
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٣١٦