الاشتباه إلا نادراً ، لان الخطأ لا يقع إلّا في المادة اي مادة القضيّة دون صورتها ، لان المنطق عاصم عن الخطأ في الصورة ، واما العلوم النظرية التي لا تكون مادّتها محسوسة ولاقريبة من الحس كالفلسفة ونحوها ، فوقوع الخطأ والاشتباه فيها شايع ، حيث إنه ليس في المنطق قاعدة تمنع عن الخطأ في المادّة ، فان الشكل الأول انما يمنع عن الخطأ في الصورة لافي المادة ، وكثرة وقوع الخطأ والاشتباه في الأدلة العقلية ، تمنع عن حصول اليقين بالحكم الشرعي منها ، فان أرادوا ذلك .
فيرد عليه أولا النقض بسائر العلوم النظرية كعلم الأصول والفقه وماشاكلهما ، فان الخطأ والاشتباه في هذه العلوم أيضاً كثير نظرياً وتطبيقياً ، ومن هنا يكون الاختلاف بين الفقهاء والأصوليين في المسائل النظرية المعقدّة موجود غالباً ، فلوكانت كثرة الخطأ والاشتباه في الأدلة العقليّة النظريّة مانعة عن حصول اليقين بالحكم الشرعي منها ، لكانت مانعة عن حصول اليقين به من القواعد الأصولية والفقهيّة ايضاً بنفس الملاك مع أن الأمر ليس كذلك ، والنكتة فيه ان مادة هذه العلوم جميعاً مادة نظرية لا تكون محسوسة ولاقريبة من الحس ، ولافرق من هذه الناحية بين كافة العلوم النظرية العقلية وغيرها ، فان الجميع على مستوى واحد من جهة وقوع الخطأ والاشتباه فيها نظرياً وتطبيقياً ، مع أن الأخباريين يقولون بحصول اليقين من القواعد الاصوليّة والفقهيّة ، فاذن ما هو جوابهم عن هذا النقض .
وثانياً بالحل فان كثرة وقوع الخطأ والاشتباه في الأدلة العقليّة النظريّة لاتمنع عن حصول اليقين منها بالحكم الشرعي للممارس لها في طريق عملية الاستنباط ، والسر في ذلك هو ان المستدل بكل دليل عقلي نظري يقوم على أساس وجدانه العقلي بالتتبع والفحص والتفكير في تنقيح الصغرى ومقدّماتها وشروطها وطرق اثباتها ، فإذا علم بتحققّها بما لها المقدمات والشروط ، كان
المباحث الأصولية — صفحة 304
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٣٠٤