الأمر الثالث : ما ذكره صاحب الفصول ( ره ) من أن الحسن والقبح يختلفان بالوجوه والاعتبارات ، وعلى هذا فيقع الكسر والانكسار بين قبح التجرّي وبين المصالح الواقعيّة ، وقد تكون المصلحة الواقعية الموجودة في الفعل المتجرّي به رافعة لقبحه ، وقد يكون قبحه أقوى من المصلحة فيه فيقدم عليها ، وقد يشتد قبحه كما إذا كان الفعل المتجري به مكروهاً ، وقد يتعدد قبحه كما إذا صادف الحرام في الواقع ، وقدلايكون له مزاحم كما إذا صادف المباح في الواقع فاذن يختلف قبح التجرّي باختلاف موارده ، فان كانت من المباحات فقد ظلّ فبحه بحدّه ولا يزيد ولا ينقص ، وان كانت من المكروهات فقد اشتد قبحه ، وان كانت من المحرمات فقد تعدد قبحه ، وان كانت من الواجبات يقع التزاحم بين مصلحة الواقع وقبح التجرّي ، فلابدّ حينئذ من تقديم الأقوى على غيره . « 1 »
والجواب : ان ما ذكرة ( ره ) مبني على نقطة خاطئة وهي ان الحسن والقبح أمران مجعولان من قبل العقلاء بتبع ما يدركونه من المصالح والمفاسد حفظا للنظام العام وابقاء للنوع ، ولكن قد تقدم ان فرضية ارتباط جعل الحسن والقبح بادراك المصالح والمفاسد في الواقع لا تنسجم مع الوجدان والبرهان .
اما الأول فمن البديهي ان العقل يدرك وجداناً وبدون أيّ منبه من الخارج قبح الظلم وحسن العدل بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل كامكان الممكن ووجوب الواجب وزوجيّة الأربعة ونحوها ، ومن هنا فالظلم لا يكون حسنا مهما ترتبت عليه مصلحة طالما هو ظلم ، والعدل لا يكون قبيحاً مهما ترتبت عليه مفسدة طالما هو عدل ، ضرورة انه لا يعقل انفكاك القبح عن الظلم والحسن عن العدل الّا باعدام موضوعهما ، ولهذا يحكم العقل بقبح التجري مع أنه لامفسدة في
هامش
( 1 ) . النصول الغروية : ص 349 .