العقلاء تبعاً لما يدركونه من المصالح والمفاسد خلاف الوجدان والبرهان ، اما الوجدان ، فلما مر من أن العقل يدرك حسن العدل وقبح الظلم ذاتاً وفي لوح الواقع فطرة بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل في البين ، واما البرهان ، فلان ادراك العقل للحسن والقبح ليس تابعاً لادراك المصالح والمفاسد ، بل كثير ما يحكم العقل بقبح شي بدون وجود مفسدة فيه ، كحكم العقل بقبح الفعل المتجرّي به مع أنه لامفسدة فيه ، وحكم العقل بحسن الانقياد مع أنه لا مصلحة فيه ، وحكمه بقبح ضرب اليتيم وان ترتّبت عليه مصلحة كتأديبه .
فالنتيجة ان ملاك حكم العقل بحسن شيء وقبح آخر انما هو انطباق عنوان العدل على الأول والظلم على الثاني ، والعدل عبارة عن وضع حق ذي الحق في موضعه ، والظلم عبارة عن سلب ذي الحق عن حقه سواءً أكانت هناك مصلحة أو مفسدة أم لا .
ومن هنا يكون باب الحسن والقبح باباً مستقلا لا يرتبط بباب المصلحة والمفسدة بالعلة ، فلذلك يكون الظلم قبيحاً وان ترتبت عليه مصلحة في الواقع ، لأنها لا تصلح ان تزاحم قبح الظلم ، والعدل حسن وان ترتبت عليه مفسدة كذلك ، لأنها لا تصلح ان تزاحم حسن العدل .
فالنتيجة ان هذا التفسير مخالف للوجدان والبرهان .
ودعوى ان ادراك العقل قبح الظلم وحسن العدل لعله نتيجة تأثير بناء العقلاءفي ذلك . ومن هنا نسب إلى ابن سينا ان الانسان لو خلق فريداً وحيداً ، لم يدرك عقله قبح الظلم وحسن العدل .
مدفوعة بان ذلك خلاف الوجدان والضرورة ، لان ادراك العقل قبح الظلم
المباحث الأصولية — صفحة 106
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٠٦