ومن هنا يظهر ان التعبير بالملازمة بين حكم العقلاء وحكم الشارع مبني على المسامحة ، والصحيح ان يعبر عن ذلك بالتضمّن بمعنى ان حكم العقلاء بحسن شيء أو قبح آخر يتضمّن حكم الشارع به ، لفرض ان الشارع غير خارج عنهم وهو رئيسهم هذا ، ولكن الصحيح هو القول الثاني ، فلنا دعويان :
الأولى : بطلان القول الأول .
الثانية : صحة القول الثاني .
اما الدعوى الأولى وهي بطلان القول الأول ، فلما تقدم من أن قضية حسن العدل وقبح الظلم من القضايا الواقعية الضرورية التي يدركها العقل فطرة وبقطع النظر عن جعل اي جاعل ، وليستا من القضايا المجعولة من قبل العقلاء التي لا واقع موضوعي لها غير جعل العقلاء واعتبارهم ، بداهة ان العقل يدرك قبح الظلم وحسن العدل ذاتاً بدون أيّ سبب ومنبه خارجي وبدون افتراض وجود العقلاء وبنائهم عليهما ، لأنهما من القضايا الاوليّة التي قياستها معها ، والمعيار في هذه القضايا هو ان ثبوت المحمول فيها للموضوع ضروري ، كقولنا الكل أعظم من الجزء ( الأربعة زوج ) و ( الثلاثة فرد ) ( الانسان ممكن ) وهكذا ، فإنها جميعاً من القضايا الأولية التي تكون جهاتها بديهيّة ويدركها العقل فطرة كقضيتي حسن العدل وقبح الظلم ، فإنهما قضيتان واقعيتان ثابتتان في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود ، لان العقل كثير ما يدرك الأشياء في لوح الواقع بدون أن تكون تلك الأشياء موجودة في لوح الوجود ، كزوجيّه الأربعة وامكان الممكن وفردية الثلاثة وهكذا .
وبكلمة واضحة ان تفسير الحسن والقبح بأنهما أمران مجعولان من قبل
المباحث الأصولية — صفحة 105
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٠٥