معارض لسند الكتاب دون دلالته فقط ، وهذا هو السبب لاجماع العلماء علىعدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، لأنه حينئذٍ يكون داخلًا في الاخبار المخالفة للكتاب ، ولكن التحقيق أن الأمر ليس كذلك ، لأن الخبر الواحد الناسخ ليس معارضاً لسند الكتاب ومخالفاً له ، ضرورة أنه لامانع من صدوره معالكتاب كالخبر المخصص ، إذ لافرق بينه وبين المخصص إلّا في التسمية ، فكما أن الخبر المخصص مخالف للكتاب بدواً ، فكذلك الخبر الناسخ ، لما تقدم من أن النسخ يكشف عن انتهاء الحكم المجعول بانتهاء أمده في الواقع ومقام الثبوت ، لا أنه رافع للحكم الثابت جعلًا وإلّا لزم محذور الجهل على الجاعل وهو كما ترى ، غاية الأمر أن الخبر المخصص كاشف عن اختصاص الحكم المجعول بحصة خاصةمن الأفراد العرضية وعدم ثبوته لمطلق أفراد العام ، والخبر الناسخ كاشف عناختصاص الحكم المجعول بحصة خاصة من الأفراد الطولية وعدم ثبوته لمطلق أفراد العام طولًا ، أو فقل أن الأول يدل على أن الحكم المجعول ثابت لحصةخاصة من الأفراد . والثاني يدل على أنه ثابت لفترة خاصة من الزمن هذابحسب مقام الثبوت ، ولهذا لا تنافي بين الخبر الناسخ وبين سند الكتاب أصلًا ، وإنما التنافي بينه وبين دلالة الكتاب على استمرار الحكم المجعول ودوامه ، ومنهنا لو كان الخبر الناسخ متواتراً ، لم يكن التنافي بينه وبين سند الكتاب وإنما كانبينه وبين دلالة الكتاب على عموم الجعل لتمام الأفراد الطولية ، ومن الواضح أنهلافرق من هذه الناحية بين أن يكون الخبر الناسخ متواتراً أو لا ؟ فإذن قياسنسخ الكتاب بخبر الواحد بإثبات قرآنيّته به قياس مع الفارق ، لأن القرآن بتمامآياته وكلماته وحروفه ثابتة بالتواتر من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، على أساس أنهمعجزة خالدة ولا يمكن أن يكون معجزة إلّا أن يكون قطعياً يفيد القطع بالرسالة وإلّا فلا يكون من المعجزة ، ولهذا لا يمكن إثبات القرآن بخبر الواحد .
المباحث الأصولية — صفحة 524
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٥٢٤