المعاني ، غاية الأمر أن الانسان في العصر البدائي ، أي منذ أن وضع قدمه على وجه الكرة الأرضية ، وقبل أن ينضج فكره وعقله ما كان يدرك إلا الوسائل البدائية ، كالإشارات وتقليد الأصوات والصور وغيرها من المنبهات الطبيعية ، حيث إن متطلبات حياة الانسان في ذلك العصر لم تستدع أكثر من استخدام تلك الوسائل البدائية والمنبهات الطبيعية ، وأما بعد نضج الانسان فكريا وتطوره اجتماعيا وعقليا وتوسع متطلبات حياته وعدم كفاية استخدام المنبهات الطبيعية لسدّ حاجته في نقل الأفكار والمطالب إلى الآخرين ، فدعته الحاجة إلى استخدام الوسائل الأكثر تطورا والأوسع شمولا واستيعابا ، وهي متمثلة في ظاهرة اللغات ، على أساس أنها تتطور بتطور المجتمع وتتوسع بتوسعه ، لارتباطها الوثيق به ، ومن هنا كلما نضج المجتمع فكريا وتطور عقليا وتوسع ثقافيا تطورت لغاته وتوسعت كذلك ، لأنها جزء المجتمع وحينئذ فمن الواضح أن الانسان هو الذي يقوم بجعل الألفاظ واللغات وسيلة لنقل المعاني وتفهيم الآخرين بمقتضى نعمة العقل والإدراك ، بدون عناية خاصة من اللّه تعالى مباشرة وهي الإلهام .
فالنتيجة ، أن عملية الوضع من صنع البشر .
أما القول الأول ، وهو القول بإلهية الوضع ، فقد استدل عليه المحقق النائيني قدّس سرّه بوجوه :
الأول : إن الوضع عبارة عن إلهام من اللّه تعالى إلى الانسان في كيفية استخدام الألفاظ في نطاق الإفادة والاستفادة ونقل المعاني والأفكار إلى الآخرين ، وهو بهذا المعنى ليس بأمر تشريعي ولا تكويني ، بل هو أمر متوسط بينهما .
أما أنه ليس بأمر تشريعي ، فلأن الأمر التشريعي بحاجة إلى إرسال الرسل وانزال الكتب ، كما هو الحال في الأحكام الشرعية ، والفرض أن الوضع إنما يكون
المباحث الأصولية — صفحة 151
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٥١