ومن ناحية أخرى إن الانسان بموجب علائقه بالآخرين في متطلبات حياته اليومية بحاجة إلى الوسائل والأسباب التي تنقل المعاني المطلوبة إلى أذهان الآخرين الذين يعيش معهم على وجه الكرة الأرضية ، وهذا أمر وجداني في حياة الانسان حتى قبل نشوء ظاهرة اللغة ، فإنه كان يستخدم الإشارات والأصوات والصور لنقل المعاني وإفهام الآخرين ، إلى أن تطور شيئا فشيئا ونضج فكريا وعقليا وتكاملت مدركاته نسبيا ، فلم يكف استخدام الوسائل الطبيعية البدائية لنقل أفكاره إلى الآخرين فلذلك توسل إلى استخدام الألفاظ التي هي أكثر تطورا وأوسع شمولا واستيعابا ، وهاتان الناحيتان مما لا كلام فيهما .
وإنما الكلام والخلاف في نقطة أخرى ، وهي أن عملية وضع الألفاظ واللغات بكافة أنواعها للمعاني ، هل هي من صنع اللّه تعالى ، بمعنى أنه كان بإلهام منه تعالى ، أو من صنع البشر ؟ فهذه النقطة هي مورد الخلاف .
والصحيح أنها من صنع البشر ، والسبب فيه : أن كون عملية الوضع من صنع اللّه تعالى تقوم على أساس نقطة واحدة ، وهي عدم تمكن البشر من القيام بالعملية بدون إلهام مباشر من اللّه تعالى ، رغم أن العملية من متطلبات حياة الانسان اليومية وحاجياته الضرورية .
ولكن تلك النقطة خاطئة ، ولا واقع موضوعي لها ، وذلك لما مر من أن الانسان بمقتضى النعمة الأولى ، وهي نعمة العقل ، يدرك ما يتوقف عليه حياته اليومية ، وبمقتضى النعمة الثانية ، وهي نعمة البيان ، يتمكن من ابراز ذلك للآخرين باستخدام الوسائل والأسباب التي تنقل ما في نفسه .
وبكلمة ، إن الانسان بموجب هاتين النعمتين ، يتمكن من ابراز ما في نفسه من المطالب والحاجات والأفكار للآخرين باستخدام الوسائل والأسباب التي تنقل
المباحث الأصولية — صفحة 150
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٥٠