تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الثاني : أن الوضع لو كان من صنع البشر لنقل في التاريخ ، باعتبار أنه حدث هام وفيه خدمة كبيرة للبشرية ، وكان نقله يصبح من الواضحات ، لما مر من أن ظاهرة اللغة في كل مجتمع من أهم مظاهر حياته ، وأنها العنصر الأساسي في تكوين المجتمع وتكامله ، ولا يمكن افتراض خلو مجتمع عن ظاهرة اللغة ، وإلا لأنهار ، وفي مثل ذلك لو قام شخص بعملية الوضع لقام بأكبر خدمة في تاريخ البشرية ، ومن الواضح أن ذكره يبقى مخلدا في التاريخ والأذهان ، مع أنه لا عين منه ولا أثر ، وهذا دليل على أن الوضع ليس من صنع البشر ، بل هو بإلهام من اللّه تعالى . والجواب : أن هذا الوجه مبني على أن يكون الواضع لكل لغة فردا معينا أو جماعة خاصة ، ولكن الأمر ليس كذلك ، فإن القائم بعملية الوضع لكل لغة من اللغات جيل من خبراء تلك اللغة في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر ، باعتبار أن اللغة تتطور وتتوسع بتطور متطلبات حياة الانسان بمختلف جوانبها وتوسعها ، فمن أجل ذلك اشترك في كل عصر جيل من خبراء اللغة بعملية الوضع بقدر حاجة ذلك العصر ، وحيث إن عملية الوضع كانت عملية جماعية ، وليست من صنع إنسان معين ، فلذلك لم يسجل في التاريخ . والخلاصة : أن عملية الوضع عملية تدريجية ، فكلما توسعت الحاجة وتطورت ، تطلبت مزيدا من العملية بقدر اشباعها ، وليست العملية من صنع فرد واحد أو جماعة معينة ليكتب في التاريخ ، وعليه فعدم نقل التاريخ واضع الألفاظ واهماله لا يكون دليلا على أن الوضع ليس من صنع البشر . الثالث : أن الوضع لو لم يكن إلهيا لم يتمكن جماعة من البشر من إيجاد ألفاظ بقدر ما هو المتداول بين أهل كل لغة لكي يستطيعوا من وضع تلك الألفاظ بإزاء