وقال العلّامة في التذكرة :
« لا تنعقد جمعتان بينهما أقلّ من فرسخ ؛ سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين ، وسواء فصل بينهما نهر عظيم كدجلة أو لا ، عند علمائنا أجمع » « 1 » .
لكن لا حجّة في الإجماع هنا ؛ لوجود النصّ الكاشف عن كونه المستند لأقوال المجمعين ، ويكفي احتمال ذلك ، فلا حجّة إلّا فيما ورد من النصّ في ذلك .
الدليل الثاني : النصّ :
وقد ورد في ذلك ثلاث روايات :
الأولى : ما استند إليه الشيخ من سيرة النبي ( ص ) ، قال :
« وأيضاً فلا خلاف أنّ النبي ( ص ) لم يكن يصلّي إلّا في موضع واحد ، وقد قال ( ص ) : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ، والاقتداء به واجب » « 2 » .
لكنّ السيرة بصورتها التي نصّ عليها الشيخ هنا لا حجّة فيها ؛ فإنّ من الواضح أنّ النبي ( ص ) لم يكن يصلّي صلاة الجمعة إلّا في موضع واحد وإن كان يجوز عنده الصلاة في أكثر من موضع ؛ لأنّ الإمام الواحد لا يمكنه إلّا صلاة واحدة في وقت واحد ، إلّا أن يراد بالسيرة أنّه ( ص ) لم يأذن بإقامة صلاة جمعة أخرى في المدينة وحواليها ممّا هو دون الفرسخ ، فيكون دليلًا على عدم جواز تعدّدها فيما دون الفرسخ .
وليس في ذلك حجّة أيضاً ؛ إذ لا يُعرف وجه ذلك إن سلّم فلعلّه لعدم الحاجة إلى جمعة أخرى ، أو لأنّ الناس لم يكونوا ليرغبوا في جمعة أخرى مع قيام الجمعة التي يؤمّها النبي ( ص ) ، فكان ذلك سبباً في عدم قيامها حتّى لو أذن فيها ، أو لسبب آخر كاستلزام كون الجمعة الأخرى وكراً للمنافقين والمرجفين ، أو لغير ذلك من الأسباب .
هامش
( 1 ) تذكرة الفقهاء 55 : 4 .
( 2 ) الخلاف 229 : 1 .