الثالثة : مقتضى اعتبار المسافة بين الجمعتين في صحّتهما : بطلانهما معاً عند الاقتران ، وبطلان المتأخّرة عند عدمه ؛ وذلك لفقدانهما معاً شرطَ الصحّة عند المقارنة ، وفقدانِ خصوص المتأخّرة له عند عدم المقارنة ؛ فإنّ السابقة لا مانع من صحّتها عند قيامها في الوقت المتقدّم ؛ لعدم وجود جمعة عند ذلك فيما دون المسافة ، والمتأخّرة غير متوفّرة على شرط الصحّة منذ البداية إذا أقيمت ؛ لوجود المانع ، فهي لا تولد إلّا باطلة ، فلا تصلح لمانعيّة الصلاة السابقة .
الأمر الثالث : في تحديد المسافة :
الحقّ أنّ المساحات والتقادير أمور عرفيّة يرجع في مفاهيم ألفاظها إلى العرف اللغوي ، وعليها ينزّل كل ما ورد بشأن تحديدها في النصوص الشرعيّة .
قال في القاموس في شرح معنى « الِميل » :
« والميل بالكسر : . . . مسافة من الأرض متراخية ، أو مائة ألف إصبع إلّا أربعة آلاف إصبع ، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع ، بحسب اختلافهم في الفرسخ : هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء ، أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المُحْدَثين ؟ » « 1 » .
وواضح أنّ الاختلاف الذي ذكره إنّما هو اختلاف في الاصطلاح وليس اختلافاً في تحديد المسافة التي يدلّ عليها الميل ، وهذا ما أكّد عليه في المصباح المنير ، قال :
« والْمِيلُ بِالْكَسْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ : مِقْدَارُ مَدَى البَصَرِ مِنْ الأرْضِ ، قَالَهُ الأَزْهَرِيُّ ، وعِنْدَ القُدَماءِ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ : ثَلاثَةُ آلافِ ذِرَاعٍ ، وعِنْدَ المُحْدَثِينَ : أَرْبَعَةُ آلافِ ذِرَاعٍ ، والْخِلافُ لَفْظِيٌّ ؛ لأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِقْدَارَهُ سِتٌّ وتِسْعُونَ أَلْفَ إِصْبَعٍ ، والإصْبَعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ إِلَى الأخْرَى . ولكِن الْقُدَمَاء يَقُولُونَ : الذِّرَاعُ اثْنَتَانِ وثَلاثُونَ إِصْبَعاً ، والمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ : أَرْبَعٌ وعِشْرُونَ إِصْبَعاً ، فَإِذَا قُسِمَ الْمِيلُ عَلَى رَأْي الْقُدَمَاءِ كُلُّ ذِرَاعٍ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ كَانَ الْمُتَحَصِّلُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِرَاعٍ ،
هامش
( 1 ) القاموس المحيط : مادّة « ميل » .