فهاتان الصحيحتان صريحتان في أنّ إدراك الركعة الأخيرة قبل ركوع الإمام إنّما هو حدّ لإدراك صلاة الجمعة ، وليس حدّاً لإدراك صلاة الظهر جماعةً ، بل تصحّ صلاة من أدرك الركعة الأخيرة مع الإمام بعدما ركع ، لكنّها إنّما تصحّ منه ظهراً لا جمعةً ، وهذا ينسجم تماماً مع روايات صلاة الجماعة التي صرّحت بأنّ من أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة ؛ لأنّ هذه إنّما هي بصدد بيان حدّ إدراك الركعة جماعةً ، وقد بيّنت الرواية أنّ حدّ إدراك الركعة جماعةً مع الإمام إنّما هو إدراك الإمام في ركوعه ، فمن أدرك إمام الجمعة وهو في ركوع الركعة الأخيرة لم تصحّ منه الجمعة لأنّها فاتته ؛ بمقتضى أدلّة الطائفة الأولى المبيّنة لحدّ إدراك الجمعة ، وتصحّ منه ركعة أولى لصلاة الظهر فيتمّها ظهراً أربع ركعات ؛ بمقتضى روايات الطائفة الأخرى المبيّنة لحدّ إدراك الجماعة من دون وجود أيّ تنافٍ أو تكاذب بين المجموعتين .
فحاصل ما انتهينا إليه في المسألة الثالثة : أنّ من أدرك الجمعة في الركعة الأخيرة ؛ فإن أدركها قبل ركوع الإمام صحّت جمعته وأتمّ صلاته جمعةً ، وإن لم يدرك الإمام إلّا بعد ركوعه صحّت صلاته ظهراً ، فيتمّها أربعاً ظهراً ويكون ممّن فاتته صلاة الجمعة مع الإمام .
المسألة الرابعة : لقد اتّضح ممّا سبق أنّ من أدرك ركعة مع الإمام في صلاة الجمعة فقد أدرك صلاة الجمعة بخطبتيها إذا أدرك الإمام في ركعته الأخيرة قبل أن يركع ، فيكون إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام بمنزلة إدراك الجمعة معه تامّة كاملة ؛ وذلك بمقتضى الروايات الصحيحة التي سبق التعرّض لها ولمفادها بالتفصيل .
المسألة الخامسة : هل يجوز العدول إلى الإفراد في صلاة الجمعة بعد البدء بها مع الإمام ؟
مقتضى الأدلّة الدالّة على اشتراط الجماعة في صلاة الجمعة شرطيّتها لصلاة الجمعة ابتداءً واستدامةً كما ذكرنا ، فلا يجوز له الانفراد في صلاة الجمعة ، ولو فعل بطلت جمعته ، بل بطلت صلاته ؛ لأنّه إنّما نواها جمعةً وقد بطلت ، ولم ينوِ غيرها لتصحّ منه .
ولا فرق في هذا الحكم بين القول بوجوب صلاة الجمعة وجوباً تعيينيّاً أو تخييريّاً ؛ فإنّ التخيير فيها على القول به إنّما هو تخيير ابتدائي وليس استمراريّاً ، ويكفي دليلًا على عدم استمراريّة التخيير : عدم الدليل على شرعيّة صلاة مركّبة من الجمعة والظهر إن أريد انقلابها
صلاة الجمعة من كتاب الصلاة — صفحة 283
مساهمون: الشيخ محسن الأراكي
ص٢٨٣