تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
السّليم للأمور ؛ وبين الدّوابّ الّتي تمشي على أربع ، والأنعام الّتي تتدافع في قطعانها على غرائزها وشهواتها . وقد جاء في هذا التّساؤل استخدام إحدى الظّواهر الّتي هي من خصائص الدّوابّ والأنعام ، وهي ظاهرة مشيها على أربع وأعناقها ورؤوسها متطامنة ، فهي مكبّة على وجوهها . ولم يذكر في التّساؤل لفظ الدّوابّ أو النّعم ، ولا ما يقابله مثل لفظ النّاس أو البشر ، بل جاء فيه لقطة لجانب جزئيّ من الصّورة الدّالّة على النّوع غير الإنسانيّ ، ولقطة وصفيّة أخرى لجانب جزئيّ من الصّورة المقابلة الدّالّة على النّوع الإنساني . وذلك لأنّ ذكر لقطة تصويريّة ما هي من خواصّ نوع من الأنواع كافية لأن تدلّ عليه في الأساليب الأدبيّة البلاغيّة الرّاقية البارعة المهذّبة ، ويعطيها البلاغيّون عنوان « الكناية » . فقال اللّه عزّ وجلّ في طرح التّساؤل لانتزاع الاعتراف الدّالّ على المقصود ، دون توجيه الخطاب لمخاطب أو مخاطبين معيّنين :
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 22 ) :
مُكِبًّا :
أي : يمشي منكّسا رأسه كما يمشي الحمار والثّور لا كما يمشي الإنسان ، يقال لغة : « أكبّ الرّجل على وجهه يكبّ إكبابا » أي : نكّس رأسه . ويظهر للمتدبّر من التّقابل المتباين بين من يمشي مكبّا على وجهه ؛ ومن يمشي سويّا على صراط مستقيم ؛ أنّه لا بدّ من التّخالف في الأمور التالية : ( 1 ) أنّ الثّاني يمشي على صراط مستقيم ، بخلاف الأوّل المكبّ