كحالة المذعور الشّارد ، لكنّهم مستكبرون معاندون كارهون قبول الهدى والاستجابة لدعوة الحقّ .
وبعد أن جاء في هذا الدّرس من السّورة أدلّة عقليّة ، وأدلّة من الظّاهرات الكونيّة المشهودة ، وهذه الأدلّة ذات دلالات برهانيّة وإقناعيّة على جملة من صفات الرّب الخالق - جلّ جلاله وعظم سلطانه - ، وبعد أن جاء فيها محاصرة لنفوس المكذّبين بالرّغب والرّهب من مختلف جوانبها ، حتّى لا يبقى لذي فكر سليم ، ولبّ حصيف واع ؛ مهرب من هذا الحصار الفكري والنّفسيّ :
عند هذا الموقف نلاحظ أنّ البيان الأدبيّ البليغ الرّفيع ؛ يتوجّه للتّنبيه على أنّ من لم يؤثّر فيه هذا الحصار الفكريّ المقنع لأرباب العقول وأولي الألباب ، ولا هذا الحصار النّفسيّ المحرّك لمحاور الرّغب والرّهب في النّفس الإنسانيّة ؛ فهو كالدّواب الّتي تمشي على أربع أو كالأنعام ، وعليه أن لا يضع نفسه في نوع البشر الّذين فضّلهم اللّه ، فخلقهم في أحسن تقويم ، وجعل لهم قامات منتصبات ، ورؤوسا مرتفعة ، لأنّ مكانة إذ هذه حالته أن يمشي مع اللّواتي تمشي على أربع ، خافض الرأس مكبّا على وجهه ، ضمن قطعان الأنعام والدّوابّ الّتي تمشي على أربع .
لكنّ النّصّ القرآنيّ البلاغيّ الأدبيّ الرّفيع لم يقل عند هذا الموقف :
فمن لم يؤثّر فيه هذا الحصار الفكريّ والنّفسيّ فهو من الحمير أو غيرها من الدّواب ، أو فهو من البقر أو غيرها من الأنعام .
بل طوى النّصّ هذا الحكم التّشبيهيّ ، وقدّم ما يشير إليه إشارة بارعة يدركها الذّكيّ باللّمح ، على طريقة تساؤل طرحه لانتزاع الاعتراف بنفي التّساوي بين الإنسان المفكّر الّذي يتصرّف في حياته بمقتضى فهمه
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 629
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٢٩