تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
إنّهم يجيبون بحسب تصوّرهم السّائل لهم من الملائكة فيقولون له :
لَبِثْنا :
أي : أقمنا بحسب تصوّرنا ، لأنّنا كنّا فاقدين الإحساس بمرور الزّمن ، يوما أو بعض يوم ، فلا تسألنا نحن ، ولكن اسأل العادّين القادرين على الإحساس بمرور الزّمن من الأحياء ، كأهل الملأ الأعلى من الملائكة . فيقول لهم الملك المأمور بسؤالهم :
. . . إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 114 ) : أي : ما لبثتم مهما طال زمن مكثكم موتى في باطن الأرض إلّا زمنا قليلا بالنّسبة إلى أزمان الدّهر ، وبالنّسبة إلى الخلود الّذي ستخلدونه في الآخرة ، وأنتم كنتم قادرين على إدراك هذه الحقيقة في حياة الامتحان ، لو كنتم تعلمون وتؤمنون بأنّكم مبعوثون ومجازون جزاء خالدا في أزمان متواليات لا نهاية لها . قول اللّه تعالى مبيّنا لهم وهم في حياة الابتلاء :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
( 116 ) : العبث : العمل فيما ليس له فائدة ترجى ، ولا غاية يقصد تحقيقها الحكماء ، أهل العقل والرّشد ، فكيف يتّهم بالعبث ربّ العالمين ؟ ! . إنّه لو لم يكن في خطّة التّكوين حياة أخرى ، يتحقّق فيها جزاء الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ؛ لكان خلق ذوي الإرادات الحرّة في هذه الدّنيا عبثا من العبث الّذي يتنزّه الخالق البارئ عنه ، وتصوّر هذا من قبل الممتحنين اتّهام للّه بما هو مستحيل عقلا بالنّسبة إليه ، وهو كفر شنيع بصفات جليلات من صفات كماله ، يستحقّ صاحبه الخلود في عذاب النّار يوم القيامة .