وأطلقت كلمة « الموازين » وأريد بها ما يوزن بها ، لأنّ ما يوزن بها هو الّذي يثقل ويخفّ ، وهذا من قبيل المجاز المرسل ، فهو من إطلاق المحلّ وإرادة ما يحلّ به .
المعنى : فمن ثقلت أعماله الصّالحة لدى وزنها في موازين ما اكتسب من أعمال إراديّة ، في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا ؛ فأولئك الفضلاء رفيعوا المنزلة عند ربّهم ؛ هم المفلحون النّاجون الفائزون الظّافرون في جنّات النعيم ، على درجاتهم الّتي منحوها بالنّسبة إلى ما قدّموا .
ومن خفّت أعماله إذ كانت سيّئة أو حياديّة لدى وزنها في موازين ما اكتسب من أعمال إراديّة ، في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا ؛ فأولئك البعداء المتسفّلون بما اكتسبوا الّذين خسروا أنفسهم ؛ مقيمون دائما وأبدا في جهنّم ، يعذّبون فيها بأنواع من العذاب ، أشدّها عذاب الحريق ، إذ تمسّ وجوههم وسائر أجسادهم تبعا لوجوههم ؛ النّار فتحرقها إحراقا غير منضج للحومها وعظامها ، وهم في جهنّم كالحون ، تقبّضت عضلات وجوههم عبوسا وكربا ، وقصرت بالحريق شفاههم عن أسنانهم .
ومعلوم أنّ خسارة الإنسان نفسه أشدّ أنواع الخسارات .
وقد جاءت إعادة الضّمير على « من » في العبارتين بالإفراد أوّلا مراعاة للفظ « من » ، وأشير إليها بلفظ « أولئك » في العبارتين بعد ذلك مراعاة لمعناها ، إذ لفظ « من » الموصولة : من ألفاظ العموم .
قول اللّه تعالى متابعا بيان بعض أحوال أهل النّار الّذين خفّت موازينهم :
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا