تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
يكترثون ، ولا يبالون بما يطرح عليهم من سؤال يذكّرهم باللّه وسلطانه على كونه ، وتصاريفه ، فيعرضون عن الإجابة على السّؤال السّابق ، لأنّهم دواما عن ذكر ربّهم معرضون ، لا يشغلون أفكارهم ونفوسهم وقلوبهم بشيء يتعلّق بصفات اللّه وآياته في كونه . الإعراض : حالة وسطى بين الإقبال والإدبار ، ويكون معها انصراف النّفس انصرافا كلّيّا عمّا أعرض الإنسان عنه .
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
( 43 ) : « أم » هي للإضراب الانتقاليّ مضمّنة معنى الاستفهام . أي : بل ، ألهم آلهة من دون ربوبيّتنا المهيمنة على كلّ شيء في الوجود ، وهذه الآلهة تمنعهم من أن ننزل بهم ما يكرهون من مصائب ونكبات ؟ ، وهي لا تستطيع نصر أنفسها منّا ، إن أردنا إبادتها أو إهلاكها ، وليس لها منّا حافظ يحفظها ، ولا مجير يجيرها . قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا علّتهم النّفسيّة ، ومقدّما شاهدا كونيّا على فساد تصوّراتهم :
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
( 44 ) : يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم مصدّرا بيانه بإضراب انتقاليّ بحرف « بل » ، فيبيّن أنّ علّة المعالجين النّفسيّة ؛ أنّهم اغترّوا بطول المدّة الّتي متّعناهم فيها ومتّعنا من قبلهم آباءهم دون أن نسلب منهم النّعمة ، وننزل بهم النّقمة ، مع التزامهم بشركهم ولوازمه في السّلوك ، فزعموا أنّ طول الزّمن وهم معافون من نقمتنا وشديد عذابنا إمهالا لهم بمقتضى حكمتنا ؛ دليل على أنّ حالهم سيستمرّ في عافية ، وسيبقى لهم واقع التّفوّق