في كلّ ما أنزلنا من أحكام الدّين على رسلنا ؛ أن يستغفروا للكافرين أعدا انا من دركة أهون الشّرك الّذي هو أوّل دركات الكفر ، ولو كانوا أولي قربى ، كأبائهم وأمّهاتهم ، وأبنائهم وبناتهم ، من بعد ما تبيّن لهم بالموت أو بالإصرار العنيد على الكفر أنّهم أصحاب الجحيم ، بسبب كفرهم بما يجب عليهم أن يؤمنوا به .
وأبان اللّه عزّ وجلّ عذر إبراهيم عليه السّلام في استغفاره لأبيه المشرك ؛ بأنّه كان بسبب موعدة سبق أن وعدها إبراهيم عليه السّلام لأبيه بأن يستغفر له ، طمعا منه في أن يؤمن ويسلام بعد طول معالجة ومعاشرة بالمعروف ، فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه ، ولم يكن عليه السّلام فيما فعل مخالفا حكما شرعيّا كان قد تبلّغه عن طريق الوحي ، وما فعله كان اجتهادا منه لم يوافق فيه وجه الصّواب .
وأخيرا أكّد اللّه عزّ وجلّ الثّناء على إبراهيم عليه السّلام بأنّه أوّاه حليم .
الأوّاه : أي : الرحيم ، الرقيق القلب ، الكثير الحزن الّذي يتأوّه كثيرا من الشفقة ، أو عند الخوف من اللّه ، ويلازم هذه الصّفات كثرة التّضرّع للّه ، والمحافظة على طاعته ، والتّقرّب إليه بمحابّه .
حليم : أي : كثير الحلم والأناة ، بطيء الغضب ، وهذه الصّفة هي من صفات عظماء الرّجال .
خامسا : وخاطب اللّه عزّ وجلّ الّذين آمنوا وأسلموا أتباع الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله في سورة ( الحج / 22 مصحف / 103 نزول ) :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ